مخصبة بحروف وكلمات من دماء ، حتى اذا بلغوا تلك المحلة التي اعتادوا ان يؤمّوها توزع تلك الجرعات ، وقف بينهم ، على جدار هناك ، وطفق يعصف فيهم كما تعصف الريح بالاشلاء والحطام :
- يا ابناء ربوعي ، ويا بناتها ! ... يا من لم يعد لنا سوى نتف منها ! ... هأنذا عائد اليها ! ... عائد لألم نتفها واستعيدها ! ... فمن منكم يرافقني ويعود ؟ ! ...
وانبعث من بين تلك الاشلاء والحطام صوت صارخ يقول :
- انا ! ...
وانطلقت صيحات مردّدة :
- نحن ! ... نحن ! ...
وماجت هتافات ملحة صاخبة :
- كلنا ! ... كلنا ! ... كلنا ! ...
وعاد صوته العاصف يهدد فيهم من جديد :
- إذن ، فابدأوا بنفوسكم كما ابدأ انا بنفسي ! ... هذه الكيلة من الطحين ... والغرفة من الحليب ... والعلبة من اللحم ... والكشمة من العدس ... هذه الاعاشة ... هذه المخدرات ... هذه السموم التي يجرّعوننا اياها في كل شهر ... لن امسها هذا الشهر ، ولن تمسوها ! ... بل سنحاول ان نحيا ، ما قُدّرت لنا الحياة ، بدونها ! ... فلعلنا نحس عطشنا وجوعنا ، ونشعر بعرينا وحفانا ، ونعي اي ذل ذلنا !!! ... هذا الذل الذي ألحقته بنا الدول الكبرى ، والبلدان المضيافة المجاورة ، وكل ما لنا من أعمام وأخوال واقارب وعيال - الذين انقضوا علينا ، فداسوا خبزنا ، وكدّروا ماءنا ، وحرقوا ثيابنا ، وعاثوا فساداً في عقر دارنا ... ثم ساقونا الى الخارج ، وراحوا يمثّلون بنا ، فيبصقون في وجوهنا ، وينهالون على رؤوسنا بالاكفّ والنعال ، ويطعنون ظهورنا بالحراب والخناجر والسكاكين ،
مستنزفين منا آخر نقطة من دماء ،
وقائلين ، بعد ذلك كله : مساكين ! ...
أسعفوهم ! ... اعطوهم جرعة دواء !!! ...
ودوّت دفقة من الاصوات والصيحات
والهتافات مخلوطة بالتصفيق الحاد ، ثم
استأنف كلامه في عنف قرير :
- يا ابناء ربوعي ، ويا بناتها ! ...
يا فتيانها ، ويا فتياتها ! ... يا شيوخها ،
ويا شيخاتها ! ... ان ربوعي الذليلة
وربوعكم ، بحاجة لغير هذا الدواء الذي
تجرعت وتجرعتم ! ... إنها تئن من وجع ،
وتناديكم مع ريح الجنوب ، والغيوم التي
تقوم الآن من ارض الجنوب ، والطيور
التي تحلق آتية من سماء الجنوب !... ذلك
لان ربوعنا لا تشفى بالوعود ، ونحن
بعيدون عنها ، ولا بالوعيد ، انما بالعودة
والبعث والاستشهاد !... فإلام التهاون
والتخاذل والرقاد ؟ !... والليل يوشك
ان ينهزم ... والصبح ...
وما كاد ينطق بتلك الكلمة ، حتى
انفلتت صقارة ، ثم تبعتها بضع طلقات ،
فتطلعت ، متمسكة بفواز ، فيما تتطلع
تلك الجماعات الثائرة الهائجة ... فاذا
شرذمة من الشرطة تداهم الساحة ، ثم

