يطوقون المكان متقدمين نحو فواز ، حتى اذا وصلوا اليه أمر الضابط اثنين من زمرته ، قائلاً :
- اقبضا عليه ! ...
فصاح به فواز ، وهو ينحيها عنه بكلتا يديه :
- وبآية تهمة تقبض علي ؟ ! ...
- بتهمة الاخلال بالامن ! ...
أمن ؟ ! ... ويا له من أمن ! ... وهل تعرف حضرتك ما تعني كلمة « أمن » ؟ !!! ...
قال هذا في شبه ضحك وشبه تهكم ، غير أن الضابط كان قد اغتاظ ونفذ صبره ، فكرر أمره ، فانضم نفر آخر الى الشرطيين ، وراحوا جميعاً يكبلون يدي فواز بالحديد ، بينما اشتبكت جماعة من اللاجئين ونفراً من الشرطة هرعوا ينجدون ، فاذا تمكنوا من فواز ، واخذوا يسوقونه الى السجن ، قال لها ، وكأنه نار تأكل بعضها ، وهم يسلخونها عنه ، ويطرحونها الارض باكية راجفة :
- لا تجزعي ، يا نهلة ، ولا يرهبنك هؤلاء الصعاليك ! ... فقريباً وأعود ... والصبح يا نهلة ... غير بعيد ! ...
وتأوهت نهلة ناشجة ، وهي تلم نفسها من بين ضعضعة الأقدام وتعتعة الحناجر ، ولكن ، سرعان ما علمت انها تنهض عن حجر كانت تستريح عليه ، وقد أتاها صوت غلام ، يضطرب في وقع حوافر وطنين جلجل :
- صباح الخير يا نهلة ! ...
فالتفتت ، فاذا مصعب يدنو على دابته ، وهو يؤرجح ساقيه ، ويلوح بنايه ، فأجابته ، وهي تصطنع ابتسامة كابتسامته :
- وألف خير يا مصعب ! ...
- هل رأيت أبي ؟ ...
- كلا ... وفيم أراه ؟ ...
- لم تريه ؟ ! ... إذن ، عجلي ... يجب ان تريه ! ...
- واي وجوب في ذلك ؟ ! ... هل من شيء هام ؟ ...
- لا ادري ، ولكنه قال لي البارحة ان امرّ بك ، فنسيت ... وكل ما اعلم انه ذهب الى السوق امس ، وكأنه ذكر شيئاً عن الشرطة ... والسجن ... وفواز ...
- فواز ؟ ! ...
- هكذا اذكر ...
- وماذا ... ماذا قال ؟ ! ...
- لا تخافي ... انه بخير ... عجلي ! ...
ومضيا يعجلان ؛ هو ينهر حماره ، وهي تستحث قدميها ، فاذا تخطاها قليلاً قال لها :
- أتركين ؟ ...
فقالت له :
- اني اسرع منك ! ...
- أتسابقين ؟ ! ...
فضحكت ، ولكن سرعان ما تجهم وجهها ، وهي تسابقه في الصعود ، وقد

