وقلت : هذه السلة له ، وهو احق بها من غيره ؛ فتقدمت الى شرطي كان هناك ، طالباً منه ان ارى قريباً لي ، فاشار علي ان اسأل الضابط ، فذهبت للضابط وسألته ، فمانع في بدء الأمر ؛ ثم بعد المقدمات والمؤخرات واهداء نصف التفاحات المحمرة كخدود البنات ، سمح لي ، فتبعت السجان من ممر لممر ، ومن دهليز لدهليز ، ومن سرداب لسرداب ، حتى بلغنا محبس فواز ...
فقاطعته ، وهي تمسح دموعاً نفرت من عينيها :
- يا ويلي ! ... اين وضعوه !! ...
- هكذا كل المحابس !! ... ويا ليتك رأيتيه ، وهو ينتش تفاحة ، وبوده لو نتش جميع التفاحات ! ... ولكني استحلفته قائلاً : « هل ذقت ، يا فواز ، اطيب من تفاح ابي مصعب ؟ ... » ... فاجابني ... اتعلمين ما اجابني ؟ ! ... : « تفاحك طيب يا ابا مصعب ... ولكن تفاحنا اطيب ! ... »
وتضاحكت لضحك أبي مصعب ، ثم قالت ، وهي تمسح خديها البليلين :
- كذلك هو ! ... دائماً كما هو ! ...
- ولكم سألني ، بعد ذلك ، عن الكرم والموسم ، وعن أهالي الأكواخ والخيم ، وعن ابيك وامك ونهلة ... بلى .. نهلة القلب والعين والفم ! ... ثم قال انه لن يبقى يوماً واحداً في هذه البلاد ، حين يطلقون سراحه ، كما وعدوه ، في القريب بل ... ولا ادري ما كان يود ان يقول ، اذ نفد صبر السجان وراح يعود بي من حيث اتى ... حتى اذا مررت بالضابط ، وكررت له شكري ، اخبرني ، وانا اجتاز الباب ، احزري ماذا اخبرني ! ...
- ماذا ؟ ! ...
- سيخرج من السجن هذين اليومين ! ...
- اصحيح ؟ ! ...
- شرط ان يغادر البلاد في اربع وعشرين ساعة ... او اقل ! ...
ولم تكد تسمع هذا من ابي مصعب ، حتى غفّت على يديه تقبلها باكية من فرح ، ثم هبت من مجلسها تود الانفلات ؛ فقال لها ، وهو يقوم جاذباً يديها :
- والى اين ؟ ! ...
- الى اهلي ! ... يجب ان اعود ! ... انني لم املأ جرتي بعد ... وربما ... ربما يجيء الآن ! ...
- ان شاء الله ! ... ولكن ... دعيني اقطف لك تفاحة ... تفاحتين ...
قال هذا ، ثم اسرع نحو الكرم ، في حين ان بلغتها صيحة مصعب ، وهو ينزل من العرزال :
- انظري !!! ...
فتطلعت الى حيث يشير باصبعه وبكل جارحة من جوارحه ، فاذا فواز يطلع الدرب ... بلى ... فواز ... بلحمه ودمه ... بطلعته التي كأنها دفقة صباح ! ... واذا هي تهبط الدرب ... بلى ... تهبطها ... في مثل خفة الريح والغيم والضباب ، حتى ليخيل اليها انها في حلم ، او ان طيفه قد ألمّ بها كما كان يلمّ اذا نامت واذا لم تنم ، لولا ان رأته يركض اليها كما تركض هي اليه ، فاذا فتحت له ذراعيها وغابت بين ذراعيه ، راحت تتمرغ على صدره ، وتشم رائحة ثيابه ، ثم تشخص بشوق ولهفة وحنان اليه ، مغمغمة في ضحك ، مغمغمة في بكاء :
- فواز ! ... فواز ! ... فواز ! ...
حتى اذا شعرت بشفتيه تلهبان شفتيها ، ثم تنهنهان خديها وتهدهدان عينيها وجبينها وشعرها ، سمعتها توشوشان عند اذنها ، وجفونه تلامس محياها :
- لقد جئت توّاً الى الكوخ ... فوجدت ابويك نائمين ... فظننتك عند
النبع ... ثم قلت لعلها ...
وقطع حديثه نداء ابي مصعب من فوق:
- نسيت تفاحاتك يا نهلة ! ... هل اصبح ذوقك كذوقه ... فلا تستطيبينها بعد ؟ ! ...
فاجابته ، وهي تضحك له ، ثم تتململ في حضن فواز :
- تفاحك طيب ، يا عم ، طيب ! ... ولكن تفاحنا اطيب ! ...
وقال فواز ، وهو يضمها اليه ، ملتفتاً الى النواحي الخصيبة بظلال الشروق:
- لقد طلع الصبح يا نهلة ... وليس لي اكثر من ساعات ! ...
فاجابت ، وهي تلتفت الى حيث عتقت روحه بالسحابة التي تتدفق من الجنوب ، وكأن فيها ما يشبه الجراح ، او ما يشبه الوثوب والشموخ ، او ما يشبه التمرد والثورة والهياج :
انني اعلم ! ... فلقد اخبرني ابو مصعب بكل شيء ! ...
- هذه الناحية ضيقة يا نهلة ! ... انني راحل ... فهل تجيئين معي ؟ ! ...
- الى آخر الارض ! ...
- بل ارضنا ! ... تلك الناحية الأخرى من بلادنا ! ... قومي ننطلق ، يا نهلة ... قومي ننطلق من ههنا ! ...

