... ومع الكادحين الذين يحق لهم اسبوعا راحة كل سنة ، هربت الى الجبل لأنقي حرّ آب اللهّاب ، ولأغيّر
على عيني وعلى سمعي المناظر والاصوات الرتيبة التي سطت على حياتي ... وبتأمل وصمت راقبت ودرست احوال
المرأة عندنا وهي في منأى عن مسؤوليات البيوت ، وخرجت بعد ذلك التأمل بدراسة موجزة للكيفية التي تقضي فيها
نساؤنا اوقاتهن في هذه الآونة :-
هل هي فترة مناسبة يقوّمن فيها ما اعوجّ من طبائع اولادهن ، ويستعضن عما قصّرن عنه في بحر السنة ؟
هل هي الفرصة المؤاتية لمطالعة بعض الكتب التي صدرت مؤخراً ولم يتسع لهن من الوقت لمطالعتها ؟
هل هي هنيهة الراحة الكلية ، تنصرف فيها نساؤنا الى هواياتهن المحبّبة اليهن ؟ هل يوسّعن معارفهن في الفنون
الجميلة ، في اللغات ، في الشعر ، في العلوم المحدثة التي لا تحد ؟!
هل تطوعن لخدمة مشروع اجتماعي يؤتي ثماره ؟
هل تعي نساؤنا خطورة الازمة الوطنية التي تتخبط فيها فيركزن جهودهن لنصرة قضيتهن ؟
... وماذا بعد ، في معدن نسائنا من فضائل اصيلة ؟
قلت انني خرجت من مراقبتي وتأملي بدراسة ، وعلى ضوء هذه الدراسة اللامغرضة سأهمس في اذن اختي المرأة
بضع كلمات ، عذري الوحيد من وراء ذلك الاخلاص الذي يصدر عن القلب .
كان قد توافى الى سمعي ان شطراً كبيراً من الجسم النسائي قد انجرف مع التيار المقامر ، مفضلاً الهواية الشيطانية
هذه على كل هواية سواها ، فأحببت ان اكون شاهد عيان على ما سمعت ، فأمّا ان انفي الاشاعة وأردّ التهمة عن
المرأة وأبرّئ ساحتها ، او انحقق من صحة ادعائهم ، فأنكص رأسي خجلاً ، كأن رشاشاً من التهمة قد علق بثوبي ...
لم يكن سهلاً ان اصدق ما رأت عيناي ، من أنّ معظم نسائنا ، لا يؤثرن لوناً من ألوان اللهو البريء على الميسر
سواء اكبرت صفقة الرهان ام ضؤلت !!
انها لعجيبة حقاً هذه اللذة المغرية التي تراود نفس المرأة وتسوقها في ضلال مبين ، تقتل ساعة تلو ساعة تلو ساعة ،
وتنسى معها طعامها ونومها ، وطعام اولادها ونومهم ، واقدس واجباتها .
... ولا تسلني بعد عن منظرها وهي مكبة على اللعب ! انه منظر بشع تجمّع فيه كل السخف وكل الضعف
وكل الانحطاط في آن واحد .
وانها كذلك لظاهرة اجتماعية تعلن تخلّف المرأة عن اقدس مسؤولياتها القومية ، كأنها نسيت اننا اليوم في وسط
المعمعة نكافح كفاح المستميت لرد الامور الى نصابها واسترجاع كرامتنا المغتصبة وحقنا الطبيعي في الحياة ...
وما عسى الرجل ان يقول فينا ، يوم نسجل نحن على انفسنا انهاءنا بالصغائر التافهة ، وتقاعسنا عن متابعة قضيتنا
التي ستكون الحد الفاصل في تقرير مصيرنا ؟
وما عسى الرجل ان يحكم على المرأة ، اذ يراها تتنصل من تحمّل وزر الطوارىء التي تجتاح بلادها ، وتتنحى عن
المسؤوليات الكبيرة التي يطالبها بها وطنها ، يحكم مكانتها كمواطنة ؟
إن المرأة المتخاذلة المتقاعدة عن هذه الواجبات ، والمهملة لقضيتها ، انما هي بحاجة الى هزّة عنيفة تعيدها الى كامل
رشدها ، لتعي اهمية الدور الذي يتحتم عليها ان تلعبه باخلاص وتضحية ، لتثبت جدارتها كمواطنة ، تستحق الحياة
المشفوعة بالكرامة ، ولتؤدي قسطها من الخدمة في بناء وطن افضل ...
نحن في اول الشوط ، وما تزال امامنا مرحلة طويلة شاقة يجب الصمود في وجهها بصلابة خلقية مثالية ، والا
اكتسحتنا العاصفة ، وقذفت بنا في الحضم ، حيث لا رحمة للضعفاء المتخاذلين الذين يستخفون بواجبهم نحو انفسهم
ونحو وطنهم .

