ملايين وملايين منهم تمر في كل انحاء الدنيا فيها الأسود والابيض ، الرجل والانثى ، الكبير والصغير ، يسيرون سيرهم المألوف يشتغلون ويأكلون ويشربون وينامون فاذا بمخلوق من هؤلاء يتخلف عن الركب ويقف ليفكر فاذا بالفكرة تنبثق من قلبه لا من رأسه فيخرجها عملاً يعجب به الناس ويدعمونه فكأنه مسّ الوتر الخفي الحساس في نفوسهم وعزف عليه فعزفوا وقد استفزهم السرور والانسجام .
مئات الساسة في عشرات الدول شهدوا ويلات الحروب واهوالها ورأوا زهرة الشباب تتجندل في الميادين ولكن واحداً من هؤلاء الساسة مضى يفكر ألا يستحق هؤلاء الشباب الذي افتدوا بلادهم بارواحهم نصباً تذكاريّاً يكرمهم وتتجه اليه انظار ذويهم ويجعل كل ام ثكلى او زوجة او حبيبة تعسة تنظر الى هذا النصب كأنه البطل الذي هو بطلها وهكذا اخرجت فرنسا فكرة ضريح « الجندي المجهول » وهكذا شعرت كل امرأة حزينة ان فقيدها هنا يرقد وعزّى التكريم قلبها وهكذا اخذت الدول عنها الفكرة النبيلة فانتشرت في كل انحاء الدنيا .
ملايين النساء والفتيات في كل انحاء العالم يحببن امهاتهن بل يعبدنهن ولكن واحدة من بين كل هؤلاء في قريتها الصغيرة وفي غمرة حاجتها وركضها وراء الرغيف وقفت لتفكر لماذا لا يقيم اهل القرية صلاة خاصة في كنيستهم المحلية لأجل امهاتهم يعبرون بها عن بعض حبهم لأمهاتهم وسعت آنا جارفيس وحددت الاحد الثاني من مايو وقالت كل من يأتي خصيصاً ليشاركني الصلاة لأجل امي فليضع قرنفلة بيضاء على صدره وعجت الكنيسة بالمصلين وعلى صدورهم القرنفل الابيض لقد عزفت آنا جارفيس على الوتر الحنون في قلوبهم فعزفوا معها .. واعتنقت اميركا الفكرة واصبح العيد اليوم قومياً ترفع فيه الاعلام على دور الحكومة والبيوت وتصدر فيه طوابع بريد خاصة بيوم الامهات .
مئات الفنانين في العالم ولكن فناناً واحداً وفي عام ١٨٧٢ رسم صورة امه الشيخة .. اي مغنم كان يرجوه فنان مبدع كوسلر من رسم صورة ام وشيخة .. واي جمال امل ان يبرزه في صورة مكمدة لشيخة كل ألوانها رمادي واسود .. ولكن الحنان المنبثق من صدر البنوة البارة حرك الريشة فاخرجت
تحفة نالت الجائزة الثالثة في باريس واشترتها الحكومة الفرنسية بستمئة جنيه مع شرط يشترطه الفنان وهو ان تعلق في متحف اللوفر عشرة اعوام متتالية ومرت ثمانون عاماً فاذا بفكرة الفنان الفرنسي تلتقي بفكرة الفتاة الاميركية ذلك لان الانسانية لا تعرف موطناً وموطنها العالم كله ، التقت الفكرة بالفكرة فاذا هناك عيد لأم وصورة ام تهدى لأم .
الملايين في العالم تمر تشتغل وتأكل وتشرب وتنام فاذا بواحد من هؤلاء يتخلف عن الركب ليفكر وليختبر ويرحم وليقول تقريباً ليبني معهد باستور واذا بشعار المعهد هكذا هنا يسأل المرء من انت ولا بأي دين تدين كل ما يقال له يا بني انك تتألم وسنحاول ان نخفف آلامك .
الملايين تمر والقصور مشعشعة تعج بامرائها واميراتها في ملابسهم الفخمة ولهوهم وبذخهم ومن بين هؤلاء تقف نايتنجيل لتفكر ، لقد انبثقت الفكرة الانسانية من القصور وما اقل ما تصدر القصور من هذه البضاعة ولكنها البنية الرقيقة الحنون لماذا لا يعنى عناية خاصة بجرحى الحرب واذا بالفتاة تندفع من القصر الى الميدان واذا بصاحبة المصباح تحمله في سكينة الليل وتمر به لتتفقد الجرحى المكدسين في العنابر وتلقي على كل منهم نظرة مليئة بالحنان والعطف فيكتب احدهم : « كان يكفي ان نشعر بانها معنا وان نرى ظلها فننام براحة .. » ثم لماذا لا تكون لهؤلاء الجرحى منظمة نسائية تتعلم الفن على اصوله فتضم الى الرقة المعرفة ؟ لماذا لا تلمس الآلام الايدي النسائية الحنون فتخففها ؟ وهكذا كان هناك اول عمل تمريض نسائي منظم تبنته الدنيا كلها .
هؤلاء الناس في هوليود مدينة الترف الزاخرة باللهو والفجور حيث لا هم لهم الا بناء القصور الفخمة وبرك السباحة الرائعة وابتكار امتع انواع الحفلات واجمل موض الملابس هناك حيث جن جنون الناس وهم يسرعون وراء المتعة لا يبالون نتائجها تتخلف امرأة عن ركب الملاهي لتفكر بالامهات الصغيرات المشردات ماذا سيكون مصيرهن ومصير اطفالهن ؟ ان منازل جمعية الامهات الصغيرات لا لكل هؤلاء الامهات اللواتي تتراوح اعمارهن بين ١٣ و١٤ عاماً فقط ، وهكذا تفرض لوريتا يونغ ضريبة على كل مسبة او كلمة بذيئة يتلفظ بها احدهم في الاستوديو

