من صور طفولتي
... اتذكر ، يوم كانت شجرات اللوز في « جلالينا » عرائس بيضاء غاوية كيف كنت تسابق ازابك تتسلق الشجر ، لتنتقي اجمل برعم ، تشككها على مفرقي ، زاعماً ان مكانها هناك أبهى ؟
أتذكر يوم اطلقت ساقيك اثر فراشة اعجبني لونها، لتحملها لي خفاقة واهية ؟ ألم تكن مخاطرتك تلك لوناً من الرجولة يرضي انوثتي ؟! .. وزخر قلبك بحلم وردي بعيد ... لكن دربك في الحياة لم تكن على دربي !
... ويوم تفيأنا شجرة الخرنوب المترامية ، غير آبهين وهج الظهيرة ، نطالع ابياتاً من الشعر الغنائي ، قصرت افهامنا عن اكثر معانيها ، وفجأة لامس رأسك الاشعث واحدة من خصلات شعري المتمردة ... اتذكر كيف احجمت عن القراءة ، ولسبب مبهم لم ادركه ، تركتك وحدك واجماً ، وهرولت الى امي احتمي في حضنها ... مِمَّ هربت ؟ ولمَ لم اعد اليك ؟ ... وطال انتظارك تحت شجرة الخرنوب حائراً ، شارد اللب ، تعالج لحناً لم تكن تجيده ، وتدغدغ حلمك الوردي ... لكن دربك في الحياة لم تكن على دربي !...
... ويوم تلقيت منك الدرس الاول في الصيد - وكم كنت ماهراً في الصيد ، جميع عصافير ضيعتنا كانت تفر من امام بارودتك الصغيرة !! - اتذكر اذ وقفت خلفي تعاوني بقليل ، تشير بوشوشة حلوة الى مخبأ عصفور ، اولانا صدره في غفلة لامبالية ؟!.. لماذا ارتعشت كتفاي من قبضتك ، ومن حر انفاسك على عنقي ؟!.. أكان ذلك من نصيب العصفور ، الذي انتفض من صوت الطلق وفرفر ، ثم طار يشتكي ؟!
... والتقت اعيننا في ضحكة عالية ، ولعل ضحكتنا تلك هي التي انقذت موقفنا ... وبعدها ، عندما تعددت مشاويرنا مع الفجر لصيد عصافير الجبل ، صرت اتحاشى التوكؤ على ذراعك ، والاستعانة بقبضتك القوية على تسلق الصخور والقفز فوق اشواك البلان ، وكأن شيئاً في تفتح ، وكأن شيئاً في اعماقي قد استيقظ !!
ومرة واحدة لم تبح لي بما ضج في اعماقك .. وبغريزتي كنت اهجس ان يوماً سيجيء ، ولا يفصل بيننا ليل ، لكن ايامنا التاليات سخرت منك ومني ، وقُدِّر لحلمنا الوردي ان يختنق في مهده ...
لأن دربك في الحياة لم تكن على دربي !


