قامت القيامة ، ذات ليلة في الحي . وتعالى الصياح والصراخ ، يعكران على النائمين ، وهم قلة ، غفوة هانئة مطمئنة ، لأمر أقصى ما يقال فيه انه تافه وتافه جداً .
فقد عَهَدَ احد الجيران ، ومهنته فرّان ، الى احدهم ان يوقظه في ساعة معينة من اواخر كل ليلة ، ليقوم الى عمله الذي يمارسه منذ عشرات السنين بهمة ونشاط ، حريصاً على ان يكون خبز الجيران جاهزاً قبل الفجر .
وشاء سوء الطالع ، ان يستسلم العم « ابو سعيد » في تلك الليلة المشؤومة لرقاد عميق . فراح الموقظ يضرب تارة على الباب وطوراً على النافذة ضرباً شديداً ... وقد يكون « زاد العيار » واستاء الجيران ، ولا سيما من كان منهم في حلقة ساهرة صاخبة ، يصارع الحظ ، ويرقب الفرج من ثقب الإبرة ، فانصبت عليه وعلى العم « ابو سعيد » لعناتهم وشتائمهم ... وقام كل من سمع الضوضاء

يسأل ويستوضح .
« يا الله ! » ارسلها ابو سعيد ثلاثاً ، خرجت من اعماق نفسه ، تمزق غلالة الليل ، لتستقر في الاذن صرخة معذبة حزينة ، ما لبثت ان امتزجت بصوت المؤذن يقول : حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح .
وقام ابو سعيد مسرعاً الى عمله كأنه لم يسمع شيئاً ، بل انه لم يضف الى ما قال كلمة واحدة ، ولم ينظر الى احد قط ممن اطلوا من الابواب والنوافذ يلعنون ويشتمون .
يا الله ! ما أروعها صرخة ، وما اوقعها استغاثة ! لقد اسدلت الستار على جهالة القوم وجنونهم ، ليظهر وجه الانسانية الكريمة السمحاء في ابي سعيد
المسكين ، وتظل « يا الله » تتردد في المكان نفسه راسمة على الشفق الساكن ألف آية وآية ، ناطقة بألف لسان ولسان تقول جميعها : مساكين هؤلاء الصاخبون الغاضبون على ابي سعيد ، بل مسكينة شجرة الحياة التي تعبث بها ايدي الظلام من بني الانسان .
لم تطل وقفتي امام الرجل ، وهو يستحث الخطى حتى توارى وسط ظلمة رقيقة ناعمة كالحلم ، شفافة كامل . غير ان كلماته الاخيرة ما فتئت ترن في اذني ويتجاوب صداها في قرارة روحي ، كأن تسألني رأيي فيما سمعت ورأيت ، فيجمد لساني وأشعر ان اللغة اصبحت أدق من البحر وأعمق من الامواج .
يا الله ! كيف يستحق ابو سعيد تلك اللعنات والنقمة من هؤلاء المتنادمين المتناومين ، ولماذا ترتفع عقيرتهم على من تعهد خبزهم بعرق الجبين ودم القلب وألم الحرمان .
مرّ كل ذلك في خاطري بأسرع من ابتسامة الصباح يرنو الى الطبيعة الساهمة ليوقظها من نومها ، وقد كانت لفترة مضت كتلة سوداء رهيبة راعية ، سرعان ما تبدلت وخطرت مجلة زاهية مغرية ... ثم ارتفعت الاصوات من جديد ، وهبّ الناس الى صراخ اقوى وتصايح أشد ، حتى باعة الجرائد وغيرهم وغيرهم ، فأنهم اخذوا يتبارون في المناداة وأطالة الصيحات والصرخات ، فتذكرت اباسعيد وردّدتها مثله ثلاثا يا الله ! وقلت لعل ناشدي الراحة والمطالبين بالخير والصلاح كلهم من طراز الجيران الذي ابتلي بهم جاري الفرّان .
وهنا رفعت ناظري الى السماء وانا اردد « اللهم ، يا ساكن الأعالي لا تغفر لهم لأنهم تعمدوا ضلالنا وأن يفعلوا بنا هكذا ... » .

