المدفع وشريف أفندي والكمين فضحك
وقهقه ، ورفع صوته بالحداء :
« خبر « شريف » الجند في يوم المكيدة
لا مدفعه ، لا القدر ، ولا العسكر يفيده
ربك كتب للشوف تحميه أسوده
وهوذي شباب الشوف ساروا بقافلة » .
بلى فشيخ القافلة كان شاعرها أيضاً ،
وأعاد الحداء بصوت غلب على الريح ،
حتى ليعجب السامع كيف اختبأ ذلك
المجهر الصوتي في مثل ذلك الجسد النحيل .
وذكر « شريف أفندي » من جديد فقهقه
ثانية . ذلك أن حصان شريف أفندي
« الأزرق » يمتطيه الآن شاهين قاسم أبو
علي ، الله يحفظك يا شاهين . لولا جرحه
لكانت السفرة موفقة ، وعزى « أبو سلمان »
نفسه فقال الله قدر لشاهين الجرح ومن
ذا الذي في وسعه أن يرد المقدر . حينما
سكبت الرصاصة في المعمل كان اسم
شاهين عليها . وحينما ولد شاهين كان على
ذراعه علامة خفية حيث ترقد الرصاصة
الآن . المقدر يسيّر الناس في شؤونها
والله يستبق مسالكها ، وما على العبد إلا
الطاعة والشكر .
وشعر الشيخ الستيني بالجوع ، وكان
قد تصدق بزوادته على فقير في الخان . وقد
أنهكه السير والبرد والانفعال ، ووتر
عواطفه الحداء . ولقد أحسّت الدابة
بقرب المأوى فأسرعت في تزحلقها على
الجليد لا يصدها إلا ذراع أكّارها ، ولو
أن تلك الذراع كانت « فرات »
أوتوموبيل لتعبت ، فمر الشيخ بيده
الثانية على لحيته وقال الحمد لله فمنزل « أبي
حمد » قريب . بلى لقد أصبح منزل أبي حمد
قريباً ، وهذا نور السراج في ضاحية
« الباروك » يغمز . فسكت أبو سلمان
عن الحداء ، وراح يخمّن أي شهي طعام
طبخت أم حمد هذه الليلة . إذ أن من
عادة أبي سلمان أن يستضيف صديقه أبا حمد
في عودته من حوران وطبعاً أبو حمد
يعرف أن صديقه يرجع الليلة فهو قد
استعد وأكثر أصناف الأطعمة والأثمار
المجففة . وزاد تصوره للأكل في شوقه
للطعام وأرهف التخيّل جوعه ، وشعرت
الدابة بدنوها من مكان مبيتها فأسرعت
وأسرع الأكّار من خلفها .
وفجأة وقفت الدابة ، كأن قد عقد
في كل حافر مرساة ، وتصلبت أذناها ،
فعلم أبو سلمان أنه في جوار عدو من
وحش أو إنسان ، فقفز يريد أن يتناول
بارودته ، فاستوقفته قهقهة من خلف عليقة
وصوت يصيح ؟
- أبو سلمان ؟!
- أبو حمد ؟!
وتعانق الصديقان واشتبكت
أصابعهما .
ذلك أن أبا حمد كان في منزله المنعزل
عن قرية « الباروك » قد رأى شبحاً
ينحدر في سفح الجبل فرابه أمره . ثم
قال في نفسه لئن كان ذلك الشبح من
« قافلة بعقلين » فلعله أبو سلمان ، فشيخ
القافلة ، دائماً في الطليعة ولئن كان عدواً
فمن الرأي أن نتروقه قبل أن يتعشانا .
وسار الشيخان نحو منزل « أبي حمد »

