وابو سلمان يداعب صديقه « ابعد هذه الكبرة تربط الجبل يا ابا حمد ؟! » ثم يقص عليه انباء القافلة ، وموقعة « تل ابي شجرة » وحصان شريف افندي ، سفرة موفقة والحمد لله لولا حق شاهين قاسم ابو علي . الله يحقك يا شاهين ، انما هكذا المقدر - اسمه كان على الرصاصة في المصنع حيث سكبت .
اما ابو حمد فلم يكن في جعبته من الاخبار الا انباء « التيفوس » تلك الحمى التي اردت كل من اصابته ، والتي ، على زعم طيب الحكومة ، تسببها عقصة البراغيث يا سبحان الله من يصدق ان ابن آدم تقتله عقصة من برغوث ، ان الله لم ينزل كارثة الحرب بالبشر الا حينما اعوجت عقلياتهم واسموا يدينون بمثل خرافات البرغوث و « التيفوس » .
تفضل يا اخي « ابا سلمان » .
ودخل الاثنان المنزل فاستلفت نظر الضيف غياب اثنين - ام حمد والشمعدان الفضي الذي كان مضرب الامثال في « الشوف » ، فقد كان ذلك الشمعدان من الفضة الخالصة ارسله لابيه من المكسيك « حمد » المهاجر . بل شعر ان في البيت جواً موحشاً ، مبهما ، مشبعاً بالالغاز . وانزل الحمل عن العروس « الغبراء » وعرّاه من جلالها ، وأحكم المخلاة في رأسها وعاد الى البيت ، فاذا ابو حمد يتلعثم بالكلام حائراً ، يلح في دعوته الى الطعام ، قلت عليك يا ابا سلمان اتركني اصنع الطعام . سأفتح « المخدع » واجلب قليلاً من اللبن ، والزيتون ، وصحن « مجدرة » . وابو سلمان يعرف انهم في « الشوف » متى أطوا في الدعوة للطعام فهم لا يريدونك ان تستضيفهم . ترى ماذا جرى ؟! ابو حمد لا يدعو الى طعام ، ابو حمد لا « يعزم » ، ابو حمد يضع الطبق حالاً ثم يشد بكتفك برفق ان اجلس ويعتذر عن حقارة طعامه ، مع انه شهي متعدد الالوان . وراح ابو حمد يشدد بالدعوة وابو سلمان يستكثر المعاذير ويشرح الاسباب التي تصده عن قبول الدعوة .
- لقد اكلت منذ زمن غير بعيد . نفسي لا تشتهي الاكل الان .
- اسمح لي ان افتح « المخدع » و ..
ولو كان لذلك « المخدع » فم يضحك لهزّت البيت قهقهاته ، فلقد كان خاويا حتى من رائحة الطعام .
- خيرك وافر يا ابا حمد .
- قلت عليك يا ابا سلمان ...
وبعد ان انتهت طموس الدعوة والرفض ولم يحضر طعام ولا ظهر طبق تناول ابو حمد من ثقب في الحائط يخفيه ستار ، مخطوطة دينية ، فقبّلها وامرّها على جبينه ثم فتحها ووضعها على مقعد خشبي خاص بها وجلس الاثنان يقرآن من كتاب الدين ، ويترنمان بصوت موحّد النغمة ، عميق ، ويتمايلان يمنة ويسرة على لحنه « سبحانك ، سبحانك ، ما اعظم ملكك ، واكبر شأنك » وليت الاثنان في مأدبة روحية استملكت قواهما ، الى ان انتصف الليل فتودعا وانقلب كل الى مضجعه .
اما ابو حمد فقد اذاع على من يهمه الامر انه نام بشخير يفيق الموتى ، واما ابو سلمان فراح يتقلب على فراشه يسامر البراغيث التي تألبت عليه واقامت الولائم في مختلف انحاء جسده . ثم شردت افكاره في غوغاء من التفكير . الله يحقك يا شاهين ما هذا « التيفوس » وهذه الكوارث التي نزلت بالعباد ؟! اين هي ام حمد وكيف اختفى الشمعدان الفضي ؟ هل ذهبت ام حمد بالشمعدان لبيعه ؟ سبق وسرى في القوم همس ان ابا حمد في عسر ولكن هذا كان دائماً يحمد الله ويقول « الدنيا بالفخير » وفجأة نهض ابو سلمان من فراشه ومشى الى الكوارات فنزع كامة كوارة القمح واجرى يده في نواحيها فاذا هي فارغة ... وكوارة العدس ، كذلك ، وكوارة الطحين ... وكل الكوارات . وكذلك المخدع . فأشرق ابو سلمان بدموعه وتطلع الى مضيفه حانقاً . لماذا كتم ابو حمد عنه بؤسه ؟! وقفز به الفكر الى منزله في « بعقلين » فحمد الله وشكره ، فكواراته ملأى بانواع الحنطة تكفيه ابداً اسبوعين . فأنه ابداً يخشى ان يصيبه مرض او ما يعيقه عن سفرة الى حوران فهو دائماً يجتزف مؤونة اسبوعين ، حتى اذا تخلف عن سفره بقي عنده ما يكفيه حتى السفرة الثانية . وتطلع الى حيث وقفت دابته فاذا حولها كيسان ونصف الكيس من قمح وعدس . لماذا يكون عندي مؤونة اسبوعين فائضة ، وابو حمد معدم ؟ سأبقي هذا الحمل هنا ، ونحن عندنا ما يكفينا حتى نسافر الى حوران ونرجع بحمل جديد انشاء الله . واصغى فاذا ابو حمد لا يزال يرسل الشخير ، فنهض الى دابته فوضع على حوافرها اللبان ، ذلك « الكالوش » الذي كانت تلبسه الدابة كلما اقتربوا من مخفر . ثم قادها الى الخارج وما ابتعد عن البيت قليلاً حتى اعتلى ظهرها وسار الى « بعقلين » .
وكأنما شخص امسك ابا حمد فهزه وهتف به « قم » فاستفاق فلم يجد ضيفه في فراشه . وراح الى مربط الدابة فاذا ليس في المكان الا حملها . فأشرقت الحقيقة على ابي حمد ففرع الى خارج البيت ، وكان الفجر بدأ يبتسم ، وصاح : « يا ابا سلمان ماذا فعلت ؟! ارجع وخذ الحمل بالفخير » . فادار ابو سلمان وجهه نحو مضيفه واجاب بصوته الهدار : « الدنيا قرضه ووفاء » . ورددت انحاء « الباروك » الدنيا قرضه ووفاء .
