حيناً أطل ابو سلمان والغبراء على « بعقلين » كان اكثر رجال البلدة وصبيانها في الانتظار يزوجون ويطلقون الرصاص في الفضاء . وانتهى السلام والكلام فقفز احد الصياد الى ظهر ( الغبراء ) وراح يرمح ملاقياً بقية القافلة ثم احاط بشيخ القافلة بعض الشيوخ وراحوا يداعبونه « اين حمل الغبراء ؟ قال بعضهم ان ابا سلمان راح الى حوران وسها عن باله ان يشتري قمحاً . وظن آخرون ان في ( عين اللجة ) حورية تستبدل القمح بالابتسامات . وحكى آخرون ان ابا سلمان لقيه بدوي واغتصب منه حمل القمح . واكد غيره ان الغبراء لها بطن كمطحنة ، اكلت الحمل في الليل من غير ان يدري ابو سلمان . اما هذا فبقي يبتسم ولا يجيب على الدعاب وكان البرد لا يزال قارساً ولكن ابا سلمان لم يشعر به ، بل مشى رأساً الى منزله فلاقاه ترحيب زوجته . وبعد السلام والكلام سألها عن الاخبار فقالت ام سلمان ليس من جديد الا التيفوس ، فكل من وقع بتلك الحمى الخبيثة مات . وحسبت انها اعطته تقريراً مسهباً عن كل الاخبار ، الا انها استدركت وقالت :
بلى جاءتني البارحة ام حمد من الباروك واخبرتني سراً انهم في فاقة ، ولقد اوهمت زوجها انها ذاهبة الى ( عاليه ) لتبيع الشمعدان الفضي وتشتري قمحاً ، ولكنها في حقيقة الامر اتت الي تريد رهنه عندي لانها توقن انها تقدر ان تسترده مني متى انتهت الحرب وعاد حمد يرسل الفلوس لهم ، اما انا فبعلمك يا ابا سلمان ان ليس عندنا مال ، ولكنني كنت متحققة انك عائد بحمل جديد ، فاعطيتها كل ما في الكوارة من مؤونة وقلت لها ان تستحي ان تذكر امر رهن الشمعدان . سبحان الله كيف كفرنا به ، فصار الانسان لا يعطي ولا يطلب شيئاً الا لقاء رهن
وكمبيالة .
- وهل اخذت منها الشمعدان ؟
اجابت ام سلمان : بالطبع لم آخذ الشمعدان ، بل اعطيتها كل ما في الكوارة وقلت لها : يا ام حمد سيأتي يوم باذن الله ترجعين ما تقترضين . الدنيا
قرضة ووفاء ، أليس كذلك يا ابا سلمان ؟
- صحيح الدنيا قرضة ووفاء ، اجاب ابو سلمان ، اذ علق عمامته على مسمار في عمود المنزل ، وارخى اثوابه قليلاً ، واراح رأسه على مسند ، وتمدد على البساط ونام محموماً - بالتيفوس !

