كم حزنت حين تلقيت رسالة من صديقة لي تقص لي فيها عن مأساة فتاة اعرفها شخصياً . والذي اربده هو ان الفت نظر قرائي الى بعض مآسي ابناء الجيل ، يدور فيه صراع نفساني مر ، تكابده نفس رقيقة حساسة ولكنها تطويه في اعماقها .
فبطلة هذه القصة فتاة مثقفة في الثالث والعشرين من عمرها ، تحمل شهادة ليسانس الآداب من احدى الجامعات الشهيرة ، وهي الى جانب هذا واسعة الافق كثيرة الاطلاع وقد عبرت مراحل الدراسة من الروضة الى الجامعة في سرعة ظاهرة . ونالت اعجاب مدرساتها واساتذتها واصدقاء اسرتها ، وكانت جوائز التفوق من نصيبها دائماً . وهي قبل هذا كله حسنة الشكل ، تنحدر من اسرة غنية معروفة محافظة .
فما الذي ينقصها لكي تكون سعيدة الى جانب الجمال والشباب والثقافة وكرم الاصل ؟ . لا شيء كما يبدو للناس حولها . وكذلك كنت انا ايضا اجد فيها منذ عرفتها الى جانبي في الدراسة الجامعية ، وأرى ما يكذب الزعم القائل بأن الحياة لا تصفو لأحد .
والآن وقد جمعتنا الظروف ثانية . لفت نظري شحوبها وقلقها الظاهر فسألتها : ما بالك يا صديقتي ؟ . ألست سعيدة ؟ فاجابت باكية وبدأت تسرد علي قصة من قصص العذاب المستمر ، ذلك النوع الذي يأكل النفس ويسمم الحياة لانه لا يلقى عطف السامعين .
لقد نشأت يا اختي وكبرت على غير ما انا عليه الآن . الجو الذي عشت فيه وهو جو الدراسة ، اعطاني المجال الواسع لاعبر فيه عن افكاري واعمل بكل جرأة ونشاط وكان كل ما يخطر لي مفيداً لي ولمجتمعي . وكان هدفي الوحيد بعد ان انهي دراستي هو ان اصبح عضواً فعالاً في مجتمعي ولكن ما كدت انتهى حتى ارهقت بمطاردة قاسية من والدي . فقد اخذ ما في كل ما اردت ان ابذله من اجل خدمة وطني وقومي ، وكل امنية اردت ان احققها .
انا لا افهم لماذا يسمح لاخوتي ان يعملوا في نفس الحقل
الانساني الذي اعيش انا فيه ، مع اني انا الوحيدة في عائلتي التي تمكنت ان تتفوق في الحقل الدراسي وتحصل على شهادة في الدراسات العليا . كل ذنبي اني ولدت انثى في وسط لا يعترف للانثى بحق الحياة الا ان تكون منحة من اب او اخ او زوج يستردها متى شاء .
احدثك يا اختي عن فتاة جامعية لا عن فتاة جيل مضى . آه كم اود ان ادرس في مدارسنا لاوجه النشء التوجيه الصحيح ، او ان اعمل في بعض الجمعيات لاحسب نفسي مخلوقة فعالة في مجتمعها لا كآلة مسيره .
ان هذا الضغط او الكابوس يكاد يقتلني . لم اعد احتمل . هل عار على الابنة ان تعمل وتخدم ؟ يرون بأن الفتاة لا تعمل الا اذا كانت بحاجة الى المال . انهم لا يريدون فهم ما يجنيه المرء من العمل . فالفائدة المعنوية التي يكسبها في العمل خير من الفائدة المادية . والكائن الحي خلق ليعمل ويفيد كل واحد حسب ميله وقدرته . ان اللذة التي اشعر بها يا عزيزتي لكوني عضو اشل يقدم له كل ما يحتاج هي لذة العصفور في القفص الذهبي .
لقد حاولت كثيراً مقاومة هذا الكابوس ولكن لم اتمكن .
هذه هي قصة تلك الفتاة كما قرأتها في رسالة صديقتي .
والخلاصة عندي هي ان اكثر فتيات مجتمعنا عشن مطاردات او ضحيات هالكات . هذه يطاردها اخ او اب او زوج وثانية يسخر منها المجتمع .
فلنحاسب هؤلاء عند الله ما احتملناه . ولنعطي لبناتنا من بعدنا حياة اهدأ واهنأ .
حلب سوريا

