قد يبدو غريباً ان يكلف الانسان عرض تأليف له ، لكنه ليس بالامر القليل الحدوث ، لانه اذا كان بعض المؤلفين ، لا سيما المنصرفون الى التأليف الفني ، يعجزون عن نقد ما يكتبون اما لعدم ممارستهم فن النقد او لعدم رغبتهم فيه ، فان اصحاب الدراسات العلمية ، وقد قلبوا الموضوع ظهراً لبطن ، وانفقوا السنوات في درسه ، يستطيعون ان يشيروا الى مواطن الضعف في ما كتبوا ويشرحوا ما ارادوا تعزيزه والالحاح في عرضه ، بصورة لا يتوصل اليها القارئ السطحي والناقد المتسرّع .
يتألف الكتاب من قسمين واضحين : الاول دراسات عامة في ما يسمّونه بالنقد الجمالي او الاستاطيقي ، والثاني في تطبيق مبادئ هذا البحث على النقد الذي نجده عند نقاد العرب .
الفن من الالفاظ المبهمة عند الخاصة كما عند العامة . وكذلك لفظة الجمال . وفي الكتاب محاولة تحديد كل من اللفظتين كما يلي :
الفن ــ ونعني هنا الفن الجميل ــ يظهر لنا تحت ستة اشكال على الاقل : الشعر والموسيقى والتصوير والرقص والنحت والبناء . وجميع هذه الفنون رغم اختلافها ينطبق عليها تحديد واحد : انها صنع الانسان ونتاج فكره والعنصر الانساني فيها يجعلها اقرب الى النفس من نماذج الطبيعة . ولا بد للاثر الفني من ان يتميز بصفة الشخصية والابداع ليدعى صاحبه فناناً . وهذا معناه التمييز بين الموسيقي الذي يخلق الالحان والعازف الذي ينقلها . فالاول فنان والثاني مقلد او محترف . كما يميّز بين خالق الازياء او
مبتكرها وبين الخياط او صانعها . بين الشاعر والناظم ، بين مبتكر اشكال الرقص والراقص الهاوي او المحترف ، بين النحّات الذي يخلق الصور المنحوتة والآخر الذي ينقل عنه . فالخلق في الفن شرط اساسي وعلى هذا نقول ان الفن
تعبير حر شخصي اي غير مقيد بقاعدة او مثال . والشرط الثاني ان يكون الاثر الفني مصدر متعة وبهجة وارتياح لمعاينه ومتذوقه ، بقطع النظر عن فائدته العملية . فللقطعة الموسيقية مثلاً قيمة ذاتية جمالية منفصلة عن فائدتها العملية في تسيير جيش او افتتاح حفلة .
واذ قد حاولنا تحديد الفن يهون علينا تحديد الجمال لان الاول احد مظاهر الثاني . فالجميل هو كل ما يعجب الناظر او السامع او المتذوق من غير قاعدة سابقة او غاية


