لاحقة . وكل انسان على شيء من الثقافة يستطيع ان يدرك الجميل اذ ليس له قاعدة معينة بل هو يظهر في اشكال مختلفة . يظهر في الطبيعة في صور الحسن المائلة في الانسان والحيوان والنبات ، في تناسق اشكالها وصفاء ألوانها وتموج خطوطها ، في غناء الطير وارتعاش الاوراق وتدلي الاغصان ، في خضرة الشجر وزرقة البحر والسماء وصفرة المغيب واحمرار الشفق . نراه ايضاً في ثورة العواصف والرعود والبرق وانبساط البحار وارتفاع الجبال وعظمة الاحراج وروعة الكهوف والوديان . فيكوّن حينئذ نوعاً من الجمال نسميه الرائع او الجليل الذي يثير في الانسان خشية ورهبة الى جانب المتعة والاستحسان .
اما جمال الفن فاكثر تنوعاً من جمال الطبيعة . وقد ذكرت من الفنون الجميلة ستة يتفرع من كل منها ألوان مختلفة من الجمال . ومنها الرائع المثير الخشية الذي نجده في التراجيديا او المأساة . والمثير الضحك والمتعة وهو النوع الذي نراه في الكوميديا و «الفارس» والمهزلة والنادرة والكاريكاتور . الجمال الناعم المؤثر الذي في الشعر الغنائي والموسيقى الرقيقة . والجمال الحشن الذي في الموسيقى الحربية وشعر الفخر والهجاء . والجمال الصلب المتين الذي يميز المباني العظيمة ، والرشيق المدهش الذي في حركات الرقص ، والجمال الغامض الذي نلمحه في بعض الفنون الادبية والرسوم الرمزية .
نستطيع القول ان كل اثر فني وكل نموذج جميل هو صورة مركبة تلاءمت اجزاؤها . وهذا التلاؤم هو مصدر الايقاع في الموسيقى والانسجام في ألوان الصورة وخطوطها ومعاني الشعر واصواته وحركات الرقص واجزاء التمثال وفصول الكتاب .
جميع انواع التوافق والتماسك هي ما نسميه بالوحدة والوحدة اهم علامات
الجمال . ومن الاخطاء الشائعة عند بعض الناس ان يقدّروا الشخص الجميل او الشيء الجميل باعتبار اجزائه كلا على حدة والصواب ان ينظروا الى المجموع ويطلقوا حكمهم على الكل لا على الجزء . مثلاً ينظرون الى العيون منفردة ، الى الانف ، الى الفم ، الى العنق ، الى كل جزء ظاهر بمفرده ولا يلاحظون هل تلاءم الاجزاء فيما بينها ، وهل حجم الرأس يتفق مع حجم الجسم ام يخالفه وهل طول الساق مناسب لطول القامة . ومن اخطائهم انهم ينظرون الى الجزء البارز اي الى الوجه دون غيره ، كما
ينظر الانسان القصير النظر الى واجهة البناء ويهمل باقي الاجزاء . فللوجه اهميته في الجسم لكن شكل الرأس واتقانه مع باقي الجسم لا يقل اهمية وكذلك شكل الصدر والذراعين والساقين وطول القامة والتناسب بين الحجوم المختلفة . ومن الاخطاء الشائعة في تقدير الجمال الانساني اعتبار اللون دون الخطوط ، لان اللون يصدم النظر اكثر من الخط ، مع ان الصورة تتألف دائماً من خطوط والوان وبراعة الرسام تظهر في الخطوط قبل ظهورها في الالوان . وشرط الجمال في خطوط الجسم الانساني ان تكون اميل

