عليك تارة بالوجود وطوراً بنكر وجودك . اناديه الى مختبر الحياة الذي لم اجد فيه حلاوة الا منك وبك لان لا معنى للحياة بدونك . عقولنا القصيرة ترى ناحية من الحياة وانت ترى كل شيء . انت السرمدي الابدي خالق الزمان والمكان . اللهم انني معلق بخيط فوق هذه الابدية . استرحمك يوم تأذن بانقطاعه ان تهزني هزاً رفيقاً لارفع عيني الى فوق ثم اطبق اجفاني على آخر قبس من ضيائك » .
وتنتهي مذكرات جريح بهذه المزامير التي تشع بوحدانية الله وتوق الانسان المعذب لرحمته . واروع ما في الكتاب هذه النفس التي تطل عليك من وادي الآلام والدموع واليأس والمصيبة معلنة بقينية الايمان بالله القدرة التي منها كان كل شيء . وعندها يتلاشى كل ما يخترع فكر الانسان من عجائب وابتكار وخلق وتصدير .
وبهذه التحاليل الديكارتية يبسط لنا كما ذكرت تفهمه لواقع الانسان والحياة والكون في جلباب لغة قريشية وبيان فصيح وادب انساني بديع نزع صاحبه ريشته من ضلوعه - هذه الضلوع التي حطمتها مباضع الجراحين واخذ مداده من دمه - هذا الدم الذي سال على شفار المباضع ، يظلله فكر خلاق وعقل حكيم ونفس كبيرة بعبقرية نادرة . حبذا لو يقرأ هذا الكتاب ابناء بلادي ليدركوا قيمة الانسان المبدع ، واحترام الواجب فيما يقومون باعمال واية قيمة للادب الثائر المنعتق ، واية تضحية جلى قام بها هذا الادب المقعد لطبع كل كتاب ينتجه بما استطاع توفيره من القرش الذي يحتاجه لشراء الدواء الضروري . ويشعروا ولو مرة في العام بقولهم لا يبطونهم وليعرف المسؤولون اي مقام للادب في بلد الاشعاع .

