كان ذلك قبل خمسين عاماً ، ولم اكـن انا نفسي اكثر من ولد عندما عينت معلماً ، ورضيت بالعمل لان المرتب كان كافياً ريثما اجد عملاً افضل ، ولكن هؤلاء الصغار تملكوا شعوري من اول الامر ، وما تعلمته منهم منذ اللحظة الاولى حبب الي المهنة ، وابقاني معلماً حتى اليوم .
دخلت الصف اول مرة ، ولكي اخفف التوتر الذي يشعر به الاولاد عند مقابلتهم معلماً جديداً بادرتهم بالمزاح فسألتهم ماذا يظنونني ساعلمهم ؟ وذكروا بعض الاسماء ، وقالت بنية صغيرة : « وعلم الاشياء ايضاً » وسألتها وما هو علم الاشياء ؟ فضحكت وضحكوا جميعاً بسرور وثقة وقالت الفتاة : هو عن اعضاء الجسم كالعظام والدم والمعدة ، والامعاء ايضاً ، وقاطعتها قائلاً ، آه ، لا اظنني اعرف الكثير عن هذه الاشياء ، وعندئذ ضحكوا ضحكات مدوية ، وقد غمرهم السرور .
واطل رأس معلمة من الباب وقالت : أأنت في مشكل .. ؟ اجبت ، طبعاً لا ، قالت ، لقد سمعت ضحكاً ...
واخبرني الاولاد بعد ذلك عن العلامات السيئة التي كانوا ينالونها عندما يسلكون سلوكاً رديئاً كهذا ، ثم عن الجلدات التي يجلدونها في المنزل اثر ذلك فقلت سينال كل منكم من اليوم فصاعداً
اعلى علامة على سلوكه .. وكان لهذه الجملة فعل السحر اذ اصبح هذا الصف احسن الصفوف سلوكاً . واكتشفت يومئذ القاعدة التالية « لكي تستخرج خير ما في الولد قف بجانبه وحارب معه عاداته المرهقة . وهكذا نوقظ احاسيس الخير في نفسه » .
واصبح الاولاد يتجمعون حول طاولتي بعد الدرس ، ويبقون هناك حتى تطردهم خادم المدرسة بمكنستها ، واكتشفت في هذه الاجتماعات كنوزاً من المواهب .
وجدت ولداً ابتكر طريقة جديدة في الجمع ، اذ كان يستطيع ان يجمع عموداً من الارقام بالسرعة التي تنطق بها تلك الارقام ، ووجدت فتاة ترسم باستمرار هنا وهناك ، ويسرني اليوم انني لم آمرها بالكف عن تلك الحماقات لانها اصبحت رسامة شهيرة وهكذا ...
لقد اكتشفت ان ليس كل ولد نابغة ، ولكن كل ولد يملك موهبة ، آلاف المواهب تنتظر ان تكتشف في الاوائل وفي المتأخرين الذين ينتظرون اليد التي تدفعهم الى الامام ، في البطيئين الذين يصلون القمة اخيراً ، في المنشغلين عن واجباتهم المدرسية بجمع طوابع البريد ، في المغرمين بالرسم والزخرف ، في الميالين بطبعهم الى ادارة المنزل ، في المخترع الصغير الذي يستغرق في عمله الى حد ان
يهمل دروسه ، ومستعمل الآلة الحاذق الذي يحتاج الى تقدير الكبير وحمايته من نهشات المتعلمين والمعلمين .
لقد اقتنعت ان شخصاً ما يجب ان يقف بجانب الصغار ليراقب وينمي المواهب الطبيعية فيهم ، ولا يكفي ان تميز الهبة الاصلية بل عليك ان تنشطها وتحرضها على الخروج لتقيها شر الفناء .
واهم واول ما يجب فعله هو اكتساب ثقة الصغير ، ان الثقة بالطبيب هي قبل حذقه وطبه .. وهكذا مضيت اشق طريقي الى سرائر الاولاد وآمالهم ، وهكذا عملت حتى اهتديت الى مدرسة تخصصت باكتشاف الامكانيات الخفية وتشجيعها ، وهكذا رحنا نراقب الصغار في عطلاتهم ، نراقب لا الخصال الرديئة التي عرفناها بل الميزات الجيدة التي تبدو اكثر وضوحاً اثناء اللعب .
واذكر ولداً في العاشرة كان منكمشاً متكتماً تراه معلمته بليداً ، راقبته في لعبة الكرة فكانت كلماته مترادفة غزيرة قوية جازمة ، وكان يكسب النصر لفرقته دائماً ، طلبت اليه ان يكتب لي وصفاً لكل لعبة كرة ، واشترطت ان يكون ما يكتب بلغته البسيطة الحلوة ، رأيته شاباً طبيعياً انكمش بسبب خشونة من حوله واستهزائهم ، فجعلته يشعر ان لطريقته غير المنمقة قيمتها ، ولم يمض عامان حتى تحول اسلوبه العامي الى اسلوب رفيع ممتاز ، واصبح الولد الذي كان يعد بليداً ، يجتاز الامتحانات بسهولة ، وهكذا خرجت بنتيجة اخرى وهي ان التشجيع قوة منعشة .
لقد سئلت مراراً كيف يستطيع
