هذه اول مرة اتحدث فيها اليكم بعد عودتي من الولايات المتحدة، ولعلكم تنتظرون ان يكون حديثي كالمعتاد محصوراً في امور معينة ونقاط محدودة لا تخرج عن نطاق قواعد تربية الطفل والعناية به وتوجيهه. ولكني وجدت من المستحسن ان اطلعكم على بعض مشاهداتي وملاحظاتي في تربية الاطفال في الولايات المتحدة الاميركية.
لا مجال في اعتقادي للتشبيه بين تربيتنا لاطفالنا وتربية الاميركيين لاطفالهم، فتربيتنا لا تزال محصورة في نطاق محدود لم يتطور كثيراً عن ذي قبل، اما في اميركا فالتربية لها قواعد ومقومات غير التي نعرفها والتي يألفها اطفالنا. وهي لذلك تتناول حياة الطفل بكل دقائقها وتعني باحتياجاته على اختلافها.
اما في مجتمعنا فالطفل ليس محترماً بعد. ففي اكثر بيوتنا يعامل في الشهور الاولى كلعبة يتلهى بها الوالدين، ثم تستلمه الخادمة. فهي تطعمه لان امه عندها زوار. وهي تلعبه لان امه ذهبت للزيارات. وبعد ذلك يرسل الى المدرسة فتصبح المعلمة وحدها حاملة المسؤولية بمساعدة الخادمة الساذجة. واذا لم يكن في البيت خادمة فالام تلازم طفلها ولكن معرفتها لاصول التربية ضئيلة جداً. ثم ان مدارس الاطفال عندنا والمدرسة الابتدائية مع الاسف، لا تعطي الطفل ما يحتاج اليه لان الذين يعملون مع هؤلاء الاطفال لم يعدوا ليتحملوا هذه التبعة. والرأي السائد عندنا هو ان كل من اتقن القراءة والكتابة يصلح ان يعلم في مدرسة ابتدائية. وقليلة جداً في لبنان المدارس الابتدائية التي تحوي اختصاصيين.
واذا اتكلم عن لبنان فأنما اشمل لبنان بمدنه وقراه، لاننا اذا اخذنا مدينة بيروت وحدها مثلاً وتكلمنا عن مدارسها لانكون
قد اعطينا صورة صحيحة عن بلادنا. فأذا نظرنا الى بعض المدارس الخاصة في بيروت التي تعنى بالصفوف الابتدائية، يجب ان لا ننسى ان هناك مئات من مدارسنا الابتدائية تتخبط بفوضى الجهل واللامبالاة.
اذاً، نحن بحاجة الى مدارس لتدريب المعلمين والمعلمات ليصبحوا مستعدين للتعليم في المدرسة الابتدائية فالاولاد لهم شخصيتهم الخاصة لذلك هم بحاجة الى اختصاصيين. ان تربية الاطفال في اميركا فرع قائم بنفسه بين فروع التربية والتعليم وهم يولونه عناية فيها كل معاني التضحية والتفاني في سبيل اولئك الصغار لانهم يعتقدون انهم يعدونهم لحل مسؤوليات الوطن الجسام في مستقبل ايامهم.
ففي كل ولاية من ولايات اميركا اليوم كليات لا تحصى للتخصص والتدريب في التعليم الابتدائي. يمضي الطالب اربع سنوات في كلية كهذه ليتمكن من التعليم في مدرسة ابتدائية. ويتاح له في هذه السنوات الاربع ان يتمرن على التعليم في مدرسة نموذجية باشراف اخصائيين قبل ان يبدأ العمل بنفسه بعد خروجه من هذه الكلية - فهم يعتقدون ان المعلم مهما يحمل من شهادات عالية لا يصلح ان يعلم في مدرسة ابتدائية الا اذا كان درس، علاوة على شهادته، اصول التربية واساليب التعليم. اما في بلادنا فأن دور المعلمين الابتدائية قليلة جداً، لذلك فمن اين نأمل ان يكون عندنا اختصاصيون، وكيف نأمل نجاحاً او حياة للمدرسة الابتدائية؟
فبلادنا اليوم بأمس الحاجة الى فتح دور معلمين ابتدائية - مدنية وريفية - تسد الفراغ الهائل الذي نشكو منه.
ويجدر بي ان اذكر هنا ان وزارة التربية الوطنية عندنا تنوي انشاء دار معلمين ابتدائية جديدة مع مدرسة ابتدائية



