كتب اليها يقول :
سلوى ، انها مني فلا تطيلي التحديق الى التوقيع ولا تتعبي عينيك صعوداً ونزولاً بين السطور .
انها مني بعد سكوت متكبر طال لم اشأ ان اخرج عنه الا بعد ان جاءني من يقول : « لقد صارت سلوى اماً »
عندها قويت في نفسي دوافع الكتابة لينزاح عني بعض ما وجدتُ وأجد .. ومالي ابدأ من النهاية ؟؟
دعيني استل حالي مما انا فيه واغمض عيني عن دنيا أنكرها فأذا انا سالم ، ذاك القديم .. يسير فخوراً متأبطاً ذراع عروس حسناء كنتها ، وقد استطار فرحاً حتى ما تلامس قدماه الارض .
ما اقرب الصورة الى خاطري توافيني كلما استدعيتها لأعيش على تذكارات حلاوتها وأقف عندها ساعات ويعصاني خاطري اذا استدعيت غيرها وكأن حياتي انتهت هناك .
ونسير معاً الى بيتنا ذاك .. وينتهي الوجود . هل اثير فيك تذكارات بيتنا ؟ هل اوقظها وقد حشرتها في زاوية من نفسك وغلفتها بألف ستار .. تماماً كما تفرز الفواقع مادة صدفية تغلف بها كل جسم غريب دخيل لتنقي وخزّه ؟
لن اطيل الوقوف امام صورة واحدة ، فهناك عشرات .. كلها حلوة .. وكلها سعيد .. وكلها ينضح بالالوان .. وتنتهي هذه ... ويفرغ رصيدنا منها
ونأتي على صور كئيبة غيرها .. هذه تذكرني بيوم حملتك الى مستشفى الولادة .. وتركتك الى يد الطبيب المولد .. لأعود بعد ساعة فأقبل جبهتك الرخامية والذع وجنتيك بدموع تأثري فتنحيني عنك برفق قائلة : الانتظر للصغير ؟
ونظرت .. كتلة من اللحم ملفوفة في قماط ، وعندما حملتها وطبعت على رأس صغيري قبلتي الاولى لم تختلج عضلات وجهه بتلك الصورة التي يبدو فيها الصغار حديثو الولادة .
واذكر أنني قلت : يا للصغير البليد ..
وعدت بعد ايام واياه .. وقد غدا هذا الصغير لنا شيئاً عظيماً جنّح آمالنا وعلمها ان تشطح الى آفاق بعيدة .. فتارة نتمثله صبياً صاخباً ، وتارة غلاماً رشيقاً .. وطوراً شاباً يشق طريقه في الحياة ويدفع بمنكبيه السائرين .
ولكن ذلك الهدوء في الطفل ، وتلك البلادة لم تكن تطمئن ان سيكون لصغيرنا شيء من ذاك .. وكان اكثر ما يثير دهشتنا قلة بكائه ..
واذكر ساعة ان عدت ذات يوم من عملي ظهراً فلقيتني على السلم مضطربة واجفة لتقولي : سالم ! لقد لاحظت على طفلنا شيئاً .. انه لا يرى .. عيناه لا تتأثران بالنور لو انصب فيها ولا يختلج لها جفن قط ..
تعال ..
واخذتني اليه فحملته وكان له من
العمر اربعون يوماً وحدقت الى عينيه فلم اقرأ فيها معنى الحياة .. وقربته الى النافذة فلم يبهره الوهج المنصب منها مع اشعة شمس الظهيرة ..
ولفني الجزع انا الآخر واستدعيت اقرب طبيب ففحص الطفل واستدار ليواجهنا باقسى حقيقة يسمعها والدان .. إن الطفل اعمى ، أو هذا ما تقطع به الظواهر .. ثم هنالك اكثر من ظاهرة ازعجت الطبيب وهي ان اطراف الصغير لا تتحرك بمرونة ..
اما انت .. فقد شبك ذهول خشيت عليك منه .. واما انا فقد كان الامر لي صاعقة .. خلتها تدوي في اذني بالامثولة القديمة : الآباء يأكلون الحصرم ..
وتعرفين يا سلوى اني لم اكن يوماً ما من أكلة الحصرم .. وتعرفين اية حياة نظيفة عشتها ... ولكن الداء كان يسري في شراييني مع الدم .. فأنا ابن رجل انجب غيري اخاً ولد ميتاً .. واختاً حملت في جسمها ما يحمل ولدي ثم لم ير لها الموت مكاناً بين ابناء الحياة فاراحها .
وها انذا أؤخذ بجريرة غيري .. فاقذف الى الدنيا بواحد من الشواذ الذين يضيق بهم عالم الاقوياء ..
وكانت هذه هي الحقيقة التي لا تقبل وجهاً ثانياً ..
وما هو الا بعض شهر حتى حل بابني المصير الطبيعي الذي كان ينتظره فمات بعد مرض قصير ..
وضرست انا من الحصرم الذي اكله ابي ..
وتذكرين يا سلوى ، تذكرين كيف انتزعت من احضانك الشفيقة قطعة منا خامدة ... وحملتها الى المقبرة .. وارحتها في حفرة وسيعة دفنت فيها احلامنا ايضاً ثم عدت بعينين ملتاعتين وشفاه يابسة اقول : سلوى .. لا نريد ابناء بعد ...



