في ركن قصي منعزل ، وفي زاوية نائية هادئة من زوايا احدى قاعات الموسيقى في محطة الاذاعة اللبنانية ، تطالعك فتاة نحيلة القد ، هادئة الملامح ، ساذجة القسمات ... يتراءى طيف ابتسامة حيرى على شفتيها ، تشع في حنايا وجهها ، فتضفي عليها لوناً من الغموض والسحر ... وتنعّم النظر في محياها - الذي خلا من كل اثر للتبرج والزينة - فتروعك مسحة من الكآبة تتأرجح في اغوار عينيها ، وتهدأ على صفحات وجهها الحالم ... انها فيروز ... ذات الصوت الملائكي الذي علا فسما بالنفوس ، وارتفع بالارواح الى عالم كله جمال وروعة وجلال ... من منا لم
ينعم في امسية مقمرة او صباح مشرق وضاح ، بالاصغاء الى صوت هادئ ، حنون ، فيه عمق وفيه اخلاص ، يحمله الاثير الى الآذان رقيقاً ، حالماً ، عذباً ... من منا لم يهتف طرباً ، لدى الاصغاء الى « عتاب » و « تعال ، تعال » و « الى راعية » و « وداد » وغيرها .. كلنا قد سمع ذلك الصوت ، وكلنا قد هتف طرباً لمغناه ، ولكن احداً منا لا يعرف صاحبة ذلك الصوت ، تلك المجاهدة المجهولة ، التي طالما تألمت لتسعد الغير ، وطالما كافحت وجاهدت لترفه عن المتعبين من ابناء الانسانية ..
وتحاول ان تأخذ معها باطراف الحديث ، فتبعث الكلمات من بين شفتيها رقيقة عذبة كأنها صلاة او نشيد من الاناشيد المقدسة :
قلت :
- ما هذه الكآبة التي ترسم صوراً واشكالاً على محياك ؟ ... وهل انت حقاً متألمة ، حزينة ...
- انني لست سعيدة ! ... على انني لست حزينة بالدرجة التي ابدو عليها ...
- ما هو مصدر متاعبك ؟ .. وهل تجدين صعوبة في عملك الفني ؟ ...
- ان بيئتنا الشرقية المحافظة لا تقدر بعد الغناء حق قدره ، لذلك وجدت صعوبة جمة من بيئتي وعائلتي عندما ابديت رغبتي في تعاطي الغناء ، على ان تلك العقبات خفت وطأتها كثيراً الآن ... هذا وانني ابذل جهوداً متواصلة في عملي نفسه ...
- ما الذي حدا بك الى امتهان الغناء ؟
- ان الموسيقى تتغلغل في اعماقي ، وتسري في عروقي ... فاشعر عندما اصغي الى قطعة من الموسيقى وكأنني اصبحت لا شيء او كل شيء .. ان كياني يتلاشى في النغمات والالحان ...


