همسات ناعمة دغدغت مسامعي في هدأة الليل من الشهر الفائت ، فأنست بها واستمعت اليها . فإذا ثمة نفس مطمئنة هانئة بين ثلاثة من الزغب الصغار التي لم ينبت بعد في اجنحتها ريش ، وقد نأى عنها في طلب الرزق من كانت تلوذ في حماه الرحب ، وتعيش في كنفه ، فما برحت تغني صغارها حتى غدت صلاة خاشعة في فيض من هذه الآيات .
— بمثل هذا اليوم منذ سنوات عشر تقينا — وكنا على مفترق طرق متشعبة . وجهي مثلي العليا التي كنت انشد منذ صغري ، ووجهتك حياة رتيبة اختارها لك اهلك ليقروا بك عيناً ويستظلوا فيأك .
تطلعت اليّ وقد طالما فعلت ، وفي عينيك لوعة الحب ، وعلى فمك عتاب يائس ، ولما فتحت شفتيك لتقول كلمة الرحيل ، اطبقت باناملي عليها علّي لا اسمع ما قد ينغص عليّ عيشي او يبكّت ضميري .
ولكن ... ولكن عينيك اللتين امتلأتا بفيض من الدموع قالتا لي اشياء كثيرة عجز بيانك عن شرحها . وعرفت في الحال ان الاخلاص لا ينمّق وانما هو ينبوع من القلب يحاول القلب عبثاً كتمانه .
ولم انتظر ما يجب ان تقوله لي ، او ما يجب كبريائي ان تفعل ، فاحتويت وجهك بين يدي وتطلعت كثيراً الى العينين المتسائلتين الشفوقتين .
وكالسراب الخاطف ومضت مثلي واضمحلت كأنما لم تك يوماً محرابي الذي اتجهت اليه منذ ان فهمت ما هي الحياة .
ايه ايتها الاحلام الخضر التي طالما هدهدتني على ذراعيك منذ طفولتي وشبابي ، وداعاً الى غير ما عودة ، لأني انكرت نفسي ونذرتها لسواي .
وهكذا رجعت اليك مسرعة لألتقيك وفي فمي ماء كثير لا استطيع التفوه معه بكلمة ، ولكنك كنت كريماً فلم تسألني شيئاً . ولم تستوضح مني امراً .
لقد كان يكفيك ان تحصل على قلبي فتسجد له وتحتويه متبتلاً حانياً .
واخيراً قلت لك عندما قدرت ان اتكلم ، ان حبي سيكلفك كثيراً .
فقلت لي وما هو فضل الحب ان لم يكن كذلك .
وقلت لنفسي هل اقدر حقاً ان اسعده !!؟
لم تكن ذا مال
ولم تكن ذا مجد ،
انما كنت تلك النغمة الحلوة المراح التي لا تملها الآذان ولا تشيخ في مسمع الزمن ، وكنت تلك الجدة التي تدأب ابداً على الخلق والابداع فما يحس المرء معها فناء .
وكنت ذلك الحب الذي لا يألو جهداً في بذل النفس والنفيس لأكون سعيدة .
لقد موّهت نظرتي القاتمة الى الحياة بوشي ذهبي فغدت متألقة زاهية .
ولقد طمست طيبتك غروري فأصبحت ظاهرة السريرة كبحيرة صافية .
ولقد روّض تسامحك كبريائي حتى غدوت سهلة القياد إلا فيما يمس كرامتي او شرفي .
ولقد ذلّت كل عقبة في بلوغي اماني الكبار منها والتافهة حتى لم يعد لي في الحياة من امنية ... إلاّك .
وغداً عندما يلقي الزمن ما على كاهله من سقط القول وترديد المعاد ليدفنه في جوفه الى الابد مع ما دفن سوف يحتفظ بهذه النفحات الساذجة ، تلك لأنها أغاني فيك ولك .
ولأنها متفجرة من قلب طالما هزأ يحب البشر لأنه مادي .
ولو شاء احد ان يسألني ماذا احب ان اكون فيما لو عدت الى مستهل نشأتي ، لأجبت على الفور ، باني اريد ان اكون محبوبة من مثلك لا يفرق عنك في قليل او كثير .
انت يا من ألوذ بك واحتمي . انا التي اتعبت مسامع الايام في استغناء المرأة عن الرجل هل تراني وفيت حقك عليّ ؟
ربي ان انا قصّرت ، وان كانت فسحة حياتي ضيقة لا تتسع لأكثر من هذه الاقوال الخالصة فاجعل صغاري هؤلاء يوفون لأبيهم ما على امهم من حق فأنك لكريم عليم .
وخفقت الهمسات وتلاشى حنان النغم في رحب الفضاء بين السحاب الرهو ، ليعلو مكانه صوت جهوري خاشع هو صوت المؤذن يدعو الناس لصلاة الصبح .


