ان استعداد الناس لتذوق الجمال او ادراكه مختلف شديد الاختلاف فمنهم من لا يدرك منه الا بعض اللذات المحسوسة ، لذة الذوق او الشم او اللمس ويعجز عن ادراك الجمال النظري او السمعي ، فلا يستوقف نظره غروب شمس ولا ترنح اغصان ولا لحن موسيقي . ومنهم من يجد في كل انواع الجمال من محسوس وغير محسوس لذة عقلية رفيعة يشترك فيها الفكر والشعور والخيال . واختلاف الناس في تذوق الجمال قائم على التفاوت في نموهم الذوقي والفني . لان تذوق الانسان المثقف غير تذوق الشخص العادي او الفطري : يقف اثنان امام اعمدة بعلبك فلا يرى الواحد سوى اعمدة شاهقة مهدمة اما الآخر فيقرأ فيها آيات العظمة الغابرة ويتمثل الهيكل في ايام عزه وما يرمز اليه من سيطرة الفاتحين وولعهم بالبناء الذي حسبوه سبيل الخلود ويتأمل مأخوذاً بجلال الاعمدة التي ترتفع وحدها ، منيعة تقاوم الزمن ، رشيقة تطاول السحاب ، متسقة تسر العين ، تخط في الافق سطوراً تنفرج ثم تضيق حتى تكاد تلتقي ، تنعكس عليها اشعة الشمس فهي حيناً ناصعة البياض تتألق بانوار الظهيرة ، وحيناً تموج بشقرة الفجر او تزهو بارجوان المغيب .
كلما زادت مقدرة الانسان على التفكير والتخيل والشعور زادت مقدرته على الاستمتاع بالجمال . والغنى الحقيقي هو غنى الفكر والعقل لا غنى المال .
لنفترض ان شخصين ، الواحد غني بماله والآخر بعلمه ، ذهبا لزيارة متحف او معرض فني . نرى الاول ينتقل بين آثار الفن فلا يستطيع تقديرها ولا تذوقها لانه لا يفهمها . وقد يمر ببعض اللوحات المعروضة فتستوقفه لوحة ذات رأس جميل او الوان جاذبة فيتوق الى امتلاكها ويلقي الى صاحب المعرض بصرّة من المال تخوّله حق الحصول على امنيته . اما الشخص الآخر فيغرق في تأملاته الفنية وينطلق خياله وفكره امام النماذج المعروضة فيتخيل الظروف التي انشأتها ويدرس تركيبها وصنعتها ويكتشف فكرة الفنان ويلمس شخصيته المنعكسة في آثاره ويرافقه في تطوره الفكري . ويحس بمتعة صافية تلهيه عن التفكير في امتلاك الاشياء المعروضة امامه . لان اللذة التي يوقظها في نفسه مرأى الجمال لذة تامة لا يعكرها ألم الشهوة ولا يشوهها لذع الغيرة ولا يأس الحرمان . هذا
الانسان يمكنه تذوق الجمال في الواقع وفي الخيال لا فرق أكان هذا الجمال ملكه ام ملك غيره .
عرضت في ما سبق مجمل ما تضمنه الكتاب في تحديد الجمال وتذوقه . بقي ان اشير الى فصلين مجتلان فيه مركزاً هاماً : الاول في موضوع وظائف الفن والثاني في شخصية الفنان .
في فصل وظائف الفن حاولت ان اشرح النظرية التي تدعى « نظرية الفن للفن » . وهي التي تقول بحرية الفن من الغاية التهذيبية او الوعظية . وبيّنت ان الفن يؤدي في الناس عدة وظائف لا واحدة . فقد يكون مصدر متعة وتنفيس ونشوة وترفيه وهو الفن الخيالي الذي ينقلنا الى عوالم مدهشة لا واقعية . او يسمو بالنفس ويثير فيها شوقاً الى المثل العليا والحياة المثلى وهو الفن المثالي . او صراعاً بين الحق والظلم ، بين الخير والشر فيدفعنا الى مناصرة الحق ومقت الظلم وهو الفن الواقعي وما يجري مجراه . ومع هذا لا يزال يصح القول ان الفن حر لا يتقيد حتماً باحدى هذه الغايات . وكل ما يتقيد به ان يكون فناً لا غير

