يمر العالم اليوم في ازمة عصيبة هي ازمة المدنية ذاتها . وهي ازمة اخلاقية روحية قبل ان تكون ازمة طعام ومواد خام او ازمة حكم . هي ازمة نفس مائعة خسرت ثقتها بنفسها فأصبحت تشك في جميع القيم الروحية التي تقوم عليها الحضارة . الناس اليوم في العالم كله ، وليس في لبنان ، يشكون في قيمة العدل والخير ، في قيمة الاخلاق والدين ، في قيمة المدرسة والمختبر ، وادهى من هذا كله انهم يشكون في انفسهم ، في اثمن هبة وهبها الله : الحياة الانسانية . والخيرون في الارض نائمون وليس في لبنان فقط فقد انعكست المفاهيم الانسانية ومقاييسها . العدل يمتهن وباسمه تقترف الجرائم ، والفضيلة تزدرى وباسمها تقترف الرذائل ، الطغيان يعظم ، والقوة البدنية تقدس ، والاحتكار التجاري يعد عبقرية والانتهاز ذكاء . اما العدل ، العدل الحقيقي الذي هو صفة من صفات الله ، اما الوداعة ، اما الخير ، اما التقوى ، اما الاحتشام العقلي فجميع هذه مظاهر ضعف وحمق والآخذ بها صعلوك مغفل ! ومتى كانت الامم تقوم على اوهام وتبنى على اساطير ؟
نحن في عالم تتنازعه دنيا قديمة ودنيا جديدة ، فهو حائر قلق مجزأ تشد به عاطفته ناحية ، ويشد به عقله ناحية اخرى والغريب في امره انه يقبل بالتجزئة ، فترى الناس يعيشون بفكرين وبقلبين وفي عالمين ولا يزعجهم مزعج ، ثم يظنون انهم وفقوا بين متنافرين ، والواقع انهم خرجوا بمدنية شائهة الوجه لا لون لها فلا هي غريبة في روحها ولا هي شرقية
في مظهرها .
ونحن نتطلع الى جيل يتميز بطابعه الخاص بجيل من الناس وجد شخصيته ، وفي تراثنا اللبناني الشرقي وفي الحضارة الانسانية الخيرة التي نحن في ركابها من الغذاء الروحي ما يكفل خلق هذه
الشخصية العربية الجديدة .
وهذا العالم تعتمل فيه كوامن الكبت والحرمان ، واصبح الشعب نهب الاحاسيس المتدفقة الخطرة ، وانك لتجد التذمر على كل لسان ووجه ، وليس من الانصاف ، ولا من الممكن ان تحظر على الناس ان يتذمروا ما دام في جانب المجتمع ثراء متغطرس وفي الجانب الآخر فقر متذمر ! هذا التذمر النامي المتراكم من اخطر الامور على حياة الامة ، فهو لا يملأ بالحقد والبغضاء قلوب الفقراء
