التي طالما ميزتها عن باقي بنات جنسها الشرقيات فوضعها بوضع سلبي ليس لها في تعديله يد، ولا في دفعه او الدفاع عنه حيلة، حفظاً لمركزها الادبي وصوناً لكرامة ظلت طيلة حياتها معززة موقرة.
يتضح لمن دقق النظر في مراحل حياة مي على ضوء العلم السيكولوجي الحديث ان العوامل التشاؤمية التي اثرت فيها فكان لها الصدى البعيد في تكييف حياتها هي اربعة رئيسية واخرى عارضة كان يجب ان تمر بها مرّ الكرام كما تمر بكل انسان سواها فلا يكاد يأبه لها او تؤثر فيه، لو لم تأت متتالية متزاحمة.
اما الرئيسية فأولاها حدوث الحرب الكبرى وما جرّت معها على العالم من نكبات وويلات وما بدّلت من نظم ونظريات وما صدمت من افكار وآراء كانت طعنة في الصميم من سلامة الانسانية وطيبتها. ومي الانسانية الكبرى لما تزل في مطلع صباها لا عهد لها بنوائب الدهر ووحشية البشر، تستقبل الحياة محتفلة بها ضاحكة لها فاذا بنفسها تتكمش رويداً وتتوجس شراً من الحياة والناس، واذا بذلك يظهر عقب محاضرة ألقاها احمد لطفي السيد في نادي المدارس العليا عن ابي العلاء فاذا بها مفكرة بأبي العلاء كل التفكير فمتحدثة عنه بشغف وأي شغف فمناقشة في تشاؤمه وعزلته، فمعلقة على ما كان يكتب عنه وهي في ذلك كله مشايعة له معجبة بفلسفته، وهذا ثاني العوامل التشاؤمية التي مرت بمي او مرت هي بها على غير قصد منها او تصميم.
واما العامل الثالث فهو حبّها لجبران، ذلك الحب الروحاني الساحر الذي عايشها مدة حياتها بعد ما سقته دماءها وما في دمائها من حرارة فما ابهت لزهوره الانتور وما اباحت يداها قطعه لانه في مقام التقديس من نفسها المبتلة

