

تقول مي في ذكرى مولد النبي العربي بعنوان : فاتح القلوب :
« افواج عديدة من الرمل تتململ شيئاً فشيئاً ، فوجاً بعد فوج ، وتتحدث في اواخر الغلس .
اولا ترين الفجر يتلألأ في الافق سنيا ، غبار دقيق من النور يتناثر حولي ، كأنه سحيق من الذهب والبلور ، هذا يوم عيد .
لولا هذا اليوم وما ميزه بين الايام ، ما كانت تلك القوافل العديدة ، قوافل الحجاج التي نراها منذ قرون وقرون ذاهبة آبية . تلك القوافل تعددت ألوفاً وألوف الالوف منذ اربعة عشر قرناً وتبدل الغرض من ترحالها منذ ان انبثقت من سوبداء قلب الصحراء جحفل النصر العظيم فصارت قوافل الذكرى والعبادة والسلام ، تقبل علينا في عجاجة وردية من قصي الابعاد حيث يخيل ان الافاق تتحرك وتغادرنا في عجاجة وردية لتتوارى وراء الآفاق التي تحنو على وديعتها الفريدة الغالية .
اعرف تلك الوديعه ، فقد ساقتني اليها الربيع مرة . هناك مثوى ذلك الذي عرف كيف يلقي في ارواح الشعوب روحاً حية خالدة . فتى الصحراء الذي اصطفاه ربه ليحمل الكتاب فيهجر داره وسلاحه كتاب ، فغزا به العالمين ، انه لم يغز البلدان والامصار وكفى بل غزا القلوب بسره وفتح النفوس بسحره . سيد الغزاة والفاتحين ، انه فتانا ، فتى الرمضاء ، وفتى الرمال ، انه جاء بمعجزة المعجزات ، فاخرج الخصب الخصب من ديار القحط والجدب .
نحن الرمال لم يكن وجودنا عبثاً كما زعمنا في اجلنا المديد الاليم .. نحن الجامدات كنا مبعث الحركة والحياة . نحن القاحلات كنا وما زلنا سبيل الهجرة الخصيبة » .
وتقول مي في كتاب ارسلته لجبران سنة ١٩٢٤ ، وهو آية في ادب التراسل الحديث : « سأذهب اليك مراراً عديدة خلال هذه المواسم ، وامكث في حماك طالبة الاغتباط بحضورك . أتعد ان تتفرغ من شواغلك وملاهيك ولو دقائق لاستقبالي ، وان تكرس لي وحدي لحظات تتجرد فيها من كل احد وكل شيء .. سأذكرك خصوصاً يوم ميلادك ، وارعاك رعاية اثيرية
طول النهار فاحيا معك الحياة التي ترضيني في انقى ما يفد علي من الخواطر ، وابهج ما يتناوله حسي من المشاهد والمدركات ، وانبل ما يتنازعني من الميول ، وفي احرّ وابسط ما اتلوه من الصلوات . وفي الصباح سألقي عليك اول التحيات واطلب منك اول ابتساماتك . »
وتتحدث مي مسهبة عن فضل الآداب فتقول ما خلاصته :
« انما الشعوب كالأفراد لا يتفاهمون الا بالتآلف الفكري ولا يتوحدون بغير التمازج الروحي .
متاع المصانع ونتاج المعامل يحفظ ابداً طابع الشعب الذي ابتكره او عالجه . ولكن اهل الفكر والعبقرية لا يسبكون في قالب ولا يحملون طابعاً بل يمثلون الانسانية باسرها ، ويخدمون الجميع بلا حصر ولا استثناء . يتكلمون ويكتبون وسواء هم افصحوا عن نظراتهم ومشاعرهم باليونانية واللاتينية او العربية والهندية فأنما هم يترجمون عن حاجات بشرية ورغبات انسانية تجمهرت في نفوسهم الكبيرة الحساسة . وما النوابغ الا افراد اختارتهم الحياة لادراك وسط يعيشون فيه والوصول الى اقصى رغائبه وألبس نزعاته ، فهم بذلك اقرب من سواهم الى غوار الروح الانسانية واسرع فهماً لحركاتها وخصائصها ، وابرع حذقاً في التعبير عنها ، وتقوم كل اهميتهم باتصالهم المتين بالفكر الشامل الدائم الابداع ، وكأن قلب الانسانية العظيم ينبض الوقت بعد الوقت في قلوبهم الصغيرة ، فيظل صدى نبضاته متردداً في صرير اقلامهم » .
وهذه نفحة من نفحاتها العذاب تطلقها متألمة متسائلة :
« وها انا ذي اسير في اطراف مرقص الحياة ، معانية ما يعانيه مساجين الوجود جميعاً . يبرح بي واياهم الشوق الى السعادة وانتلقى مثلهم ذلك الوحي المتجدد بوجودها عند كل خطوة خيبة وكمد ، وعند كل خطوة أمل وجذل ، وعند كل خطوة روعة حيال هذا السيل الحيوي الذي يتدفق مرغياً مزيداً الى حيث لا يدري ، وعند كل خطوة استفهام لا جواب له عن معنى الحياة وغايتها ، عن معنى الالم وغايته ، عن معنى الطرب وغايته ، وعند كل خطوة سؤال للكون لماذا وجدت النفس الانسانية كالنحاس المجوف ترجع لكل صوت صدى رناناً عميقاً وجيعاً ؟ »