قال أحد الأطباء : « كنت قبل أن اتعلم الطب أعجب كيف يموت الإنسان ، وعندما تعلمت الطب أصبحت أعجب كيف يعيش هذا الإنسان . »
ذكرت هذا القول بمناسبة تفكيري بالمرأة العربية في تلك الدولة الواسعة الأرجاء الضاربة في كل ناحية من الأرض ، والتي لم تكن الشمس لتغيب عن ممتلكاتها ، تلك التي قال عنها هرون الرشيد مخاطباً السحابة : « أذهبي وأمطري أنى شئت فسيأتي خراجك إليّ » .
نعم فكرت في هذه الدولة القصيرة الأجل بين آجال الدول ، فقد نشأت سريعاً وزالت بأسرع ما نشأت ، وفكرت في المرأة فيها وقلت أن الإنسان ليعجب كيف أنها لم تسجل لها مجداً لا ثقافياً ولا سياسياً ولا اجتماعياً حتى ولا دينياً . وما أن يطلع على التاريخ حتى يقول ، ليس العجب في هذه النتيجة ، بل العجب في أن تكون هذه النتيجة غير ما هي ، إذ كيف يمكن أن تصل المرأة إلى المجد في دولة هذا شأنها وكيف يمكن أن تعمر دولة والمرأة فيها هذا شأنها .
ما من شك أن الإسلام رفع حالة المرأة عما كانت عليه في الجاهلية ، فملكها وورثها ورد لها حقوقها تتناسب مع واجباتها : « فلهن مثل الذي عليهن من المعروف » . ولكن هذه الفترة من الإنصاف لم تدم طويلاً ، إذ تلاشى الإنصاف قبل أن يتمكن من النفوس ، في غمرة النصر ونشوة الشهرة ، ومجبوحة الغنى المحدث . وأصيبت المرأة بأعز مقدساتها ، وضربت الأمة العربية من
جراء هذه الإصابة الضربة القاضية .
الرق ليس بدعة عربية ولا إسلامية فالدول القديمة كلها عرفت نظام الرقيق فهو نتيجة مباشرة عن نظرة الناس إلى القوة في تلك العصور فللقوي حق طبيعي في استرقاق الضعيف ، وما نظام الإقطاع الذي لا يزال قائماً في بعض نواحي الأرض إلا بقية باقية من هذا الرق .
والإسلام حث المؤمنين على العتق وجعل « تحرير الرقبة » مظهراً من المظاهر التي يتقرب الإنسان بها من ربه كما يتقرب منه بالصلاة والصوم والذكاة وأعطى النبي المؤمنين المثل الصالح فحرر عبده بلالاً وعامله بالحسنى معاملة ضرب بها المثل في الرفق والمساواة ، وعلى الرغم من هذه التعاليم السامية ومن تعاليم الدين المسيحي الإنسانية قبلها ، بقي الرق نظاماً اجتماعياً سائداً في العالم على مختلف دياناته ودوله حتى العصور الحديثة .
على أن الرق في الدول الأخرى مختلف جداً عما كان عليه في الإسلام ، فالشرع الروماني مثلاً لم يرفع الرقيق ولا ذريته إلى مصاف الأحرار المواطنين إلا أجيالين على الأقل بعد العتق ، يعني بعد أن يكون الأحفاد قد نسوا أن جدودهم كانوا أرقاء أو غير رومانيين ، ويكونوا في هذه البرهة من الزمن قد تمرسوا في تعاطي مهنة المواطن الروماني فلا يبقى من خطر على الدولة الرومانية من العنصر الأجنبي .
أما التعاليم التي استنبطها الإسلام فلم تقيد الرقيق المعتوق بأي قيد من هذا النوع فيكفي أن يعتق العبد حتى يصبح
حراً له ما لغيره من الحقوق الكاملة ، والنظرة التي كان بعض العرب ينظرون بها إلى الموالي كان نسبية محدودة في فئة من الأوساط العربية المفاخرة بعروبتها. وهي نظرة لم تكن لتنقص من حقوق الموالي أي حق وإذا منع هؤلاء من تعاطي الأحكام في أوائل الدولة الأموية فلم يكن هذا المنع ليكون قانوناً مسجلاً ، بل عقلية سطت زمناً على الأمويين لاشتداد عصبيتهم العربية ، وما لبثت أن زالت في أواخر ملكهم .
ولم يكن الرق على الرغم من هذه المظاهر ليشكل خطراً سريعاً على الدولة العربية ، لولا الخطر الذي أصاب المرأة العربية منه عن طريق التسري وقد جعل نظاماً مشروعاً للرجل ، والتسري هو حق تمتع الرجل « بملك اليمين » أي بما ملكت يده من الجواري ، « وملك اليمين » حلل للرجل المرأة متزوجاً كان أو غير متزوج ، فنشأ عن ذلك أن المرأة العربية أصيبت بجاهلية أخرى هددت كيانها على شكل أشد ، لأن الجاهلية الأولى إذا لم تكن تقيد الرجل بزواج واحد كانت تصون المرأة بنوع من الاهتمام الزائد بالنسب إلى الفرعين ، فرع الأم والأب معاً ، فقد كانت الحياة الحرة وقفاً فقط على المعمم المخول ، ولنا في سيرة عنترة برهان ساطع على هذه الحقيقة .
أما في الإسلام ولاسيما في أوج الدولة فقد تراخى الأمر وأصبح النسب بالنسبة إلى الأم لا يهتم له ولا يعبأ به ، فكان هذا التساهل المعول الهدام في كيان الدولة العربية فأسرع إليها الزوال عن طريق الشعوب التي ينتمي إليها أولاد الإماء والجواري ، وما نفوذ الأتراك في الدولة العباسية إلا نتيجة عن ميل المعتصم إلى أمة وهي تركية ، وإذا عرفنا أن الجواري كن في متناول يدي أي إنسان

