فضلُ الساندويش على الصحون أنه أيسر إعداداً للطاهي واسهل تناولاً للأكل ، خاصة أن كان مستعجلاً أو أن مل الماكل الدسمة فرغب في تغيير ضرسه وأخذ لقمة على الماشي . لذا لم أحجم عن حشر هذا الساندويش الأدبي بين الصحون المتفرقة التي اعتادت قارئتي العزيزة التمتع بها على مائدة « صوت المرأة » ، فإذا ما أزعج هذا الطعم قارئتي ، ذكّرتها أنها أن تعد بعده إلى الصحون الأخرى في المجلة « تستسغ » طعمها أكثر مما اعتادت أن تستسغه ، فأكون بذا قد خدمتها وخدمت زملائي الطهاة في مطعمنا الكبير .
إذاً فهذا الفصل ليس نقداً لما سيرد فيه من كتب ، لكنه عرض لها وتعريف للقارئة بها ، مبنيّان على ما قاله المعلقون في تلك الكتب وما تلهج به الأوساط الأدبية بصددها . وقد اقتصرت في اختياري لها على بعض ما ظهر خلال الشهر من مؤلفات لأدبيات أو شخصيات لمعت في وجه من وجوه الحياة أو آخر .
الكتاب الأول عنوانه « تلولة » ، سردت فيه الممثلة تلوله بانكهد حياتها . وتلوله ظاهرة فذة في المجتمع الأميركي الحديث ، إنها امرأة طغى اسمها على اسم الكثيرين من رجال البلد ونسائه لا لأنها سياسية أو محسنة أو مخترعة أو أدبية أو صاحبة أعمال ، بل لأنها ذات شخصية محببة جداً تظهر على المسرح فتأسر المفرجين جميعاً حتى حين تمثّل في المسرحيات الفاشلة ، وتبرز في المجتمع فيسارع وجوهه اللامعة إلى الإحاطة بها ، وتتحدث بصوتها المرتفع فإذا كل جملة نكتة موفقة تتلقفها أعمدة الصحف وتجد بعد حين سبيلها إلى الكتب . ليس من الصعب جداً أن ينال امرؤ الشهرة أثناء حياته ، لكنه من الصعب جداً أن يصبح المرء أسطورة وهو على قيد الحياة . أما تلوله بانكهد فإنها اليوم ومنذ أمد أسطورة ، يتناقل ذكرها أبناء البلاد ، ويروون عنها القصص الصحيحة أو الملفّقة ، ويكادون يعرفون عنها أكثر مما تعرف هي عن ذاتها . وبإمكانها أن تحذف من اسمها جزءه الأخير ، وأن تتجول في العالم الغربي حيث شاءت ، ولن يتردّد مصرف عن صرف الحوالات لها ! وقد ساعدت هي على خلق الأسطورة ، فتلك الأشبال المزعجة التي تحتفظ بها كما تحتفظ الأخريات بالكلاب أو الهرة ، وذلك الصوت الخالد الذي توشوش به فيسمعه
الجيران ، وتلك الجرأة المقرونة باللامبالاة التي تتسم بها وتحملها على تسمية الأعور أعور والحصم - لنقل خصماً ولا نستعمل اللفظة التي تستعملها هي ، وتلك الغراميات التي تضاهي غراميات عاشقي التاريخ الكبار ، كل هذه جعلت من تلوله أسطورة أن ظهر اسمها في مقال كفل لكاتبه القراء ، فكيف إذا أن تحدثت الأسطورة عن ذاتها ، وفي كتاب كبير شامل .
موضوع الكتاب ، والحالة هذه ، معروف لجهرة كبيرة من القراء . بعضه معروف لهم سماعاً لأن أحداً ما لن يجرؤ على كتابته خوفاً من الملاحقة بتهمة القدح والذم . لكن المهم أن تذكر البطلة نفسها الحوادث ، بأسلوبها الخاص وحيويتها التي لا تجارى فيها ، وهذا ما فعلته في الكتاب . فكثيراً ما يخيّل إلى القارئ أن الفقرات التي أمامه ، النابضة بالحياة والعامرة بالدفء إنما هي سسموغراف سجلت عليه اهتزازات كبرى ، أثارتها هذه القنبلة الموقتة أو هذا الأعصار الهائل .
فالسؤال إذاً : بكم ستصرح المؤلفة وعن كم ستفضي ؟ إنها تسرد حياتها منذ طفولتها ووفاة أمها باكراً وبقائها في البيت مع أبيها الذي كان رئيساً لمجلس النواب الأميركي ومع قريباتها التقيّات ، وتتحدث عن حبها منذ حداثتها للمرايا ولسائر أنواع الاستحسان - مما أهّلها يانعة للمسرح . فإذا ما أعلنت إحدى مجلات السينما عن مسابقة كبيرة أسرعت تلوله فارسلت صورتها وكسبت الجائزة ، وتوجهت وهي في السادسة عشرة إلى نيويورك ، وإلى الأسطورة التي بدأت تُحاك . وسرعان ما ظهرت على المسرح ، وبدأت تتلقى صفعات النقاد ، فما زالت تذكر تعليقاً لإحدى الصحف عن المسرحية الأولى التي ظهرت فيها ، ورد فيه : « وفي الفرقة فتيات ثلاث أو أربع ، كنا نتمنى لو أنهن ما زلن تحت عناية أمهاتهن ! » وفي عامها التاسع عشر ذهبت إلى لندن لتمثل دور بطلة « أمطار » ، لكن صاحب القصة صرصت موم لم يرضَ بها وطردها ، فطار رشدها وهرعت إلى غرفتها ، فارتدت ثياب بطلة القصة ، وأدارت الأسطوانات التي سُجّل عليها الدور ، وأخذت عشرين حبة أسبرين ، ونامت بارتياح تنظر النهاية المحتومة ! وراعها أنها قامت صباحاً في خير حال ، وقطع هذا التنغيص نويل كوارد الذي تلفن لها راجياً إياها أن تمثّل في مسرحية أخرى . بذلك بدأت فترة لندن التي

