بينما كنت اقلب في احدى المجلات الكبيرة وقع نظري على صورة ولد موقوف مع الحائط وقد ادار وجهه نحو والديه بغضب وكتب تحت الصورة بين هلالين : الولد الرديء يأتي من عائلة رديئة « وكان الولد يعني بقوله ان الذنب هو ذنب والديه » ان هو اخطأ في تصرفاته .
لقد اعادت هذه الصورة الحية الى ذهني فكرة كنت قد سمعتها من مرب كبير ، ومفادها انه لو بحثنا ، كلما وجدنا للقصاص حاجة ، عن السبب الاصلي للذنب المرتكب لوجدنا انه يجب ان نقاصص انفسنا عوضاً عن اولادنا . أفلا ينطبق هذا القول على الجملة التي رددها ذلك الولد في ساعة غضبه ؟
لا شك في ان كل والد تؤلمه ذكرى قصاصات امر بها لم تكن محكمة . حوادث كهذه لا تترك أثراً مؤلماً عند الوالدين فحسب بل تترك آثاراً عدة في نفوس الاولاد لانهم هم ايضاً على الرغم من صغر سنهم ، يدركون جيداً ان القصاصات لم تكن في محلها فتتربى عندهم نقمة على والديهم تؤثر كثيراً في شعورهم وفي تصرفاتهم المقبلة .
بينما كنت يوماً في طريقي الى الكلية مررت بأم جالسة مع ولدها على شرفة المنزل تحاول اطعامه اكلة وهي تضربه كلما رفض لقمة . فاقتربت منها وسألتها عن سبب رفضه للطعام فاجابت بصوت منخفض لاشك انه سمعه : « انا اكره هذه الاكلة ولكن هو يجب ان يتعود عليها » فسألتها ثانية : « هل ذكرت يوماً امامه انك تكرهينها ؟ » فاجابت وقد شعرت بخطأها : « قد يكون ذلك » فانقطعت عن ضربه وادركت انها هي المذنبة .
هذا مثل من عدة يوضح لنا مدى الاخطاء التي نرتكبها نحن ثم نعاقب اولادنا عليها ان هم تشبهوا بنا . فلو اعترفنا بان تصرفات الولد هي كناية عن مجموعة عادات كونها في صغره - منها ما درب عليها عن قصد او غير قصد - ومنها ما اكتسبها من معاشريه ، لادركنا ان كلمة المربي الكبير التي تطلب القصاص للوالدين فيها حكمة عظيمة .
كثيراً ما يقع الوالدون انفسهم في اخطاء تسبب تصرفات
مستغربة عند اولادهم ، تستوجب حسب رأيهم العقاب والقسوة فيمعنون بالقصاصات قصد التربية ، دون ان يبحثوا عن سبب ذلك التصرف المستهجن . فلو بحثوا اولاً لوجدوا انه يرجع اما لنقص في تربيتهم لاولادهم او لاعوجاج في تصرفاتهم معهم او لاي خطأ آخر ارتكبوه عن جهل لنتائجه . فعلى الوالدين اذاً ان يجتنبوا هذه الاخطاء ان هم استهدفوا التربية الحسنة الفضلى لان القصاصات غير المحكمة او الزائدة في القسوة تأتي في كثير من الاحيان بعكس الفائدة المطلوبة فيكثر شذوذ الولد وتعصى تصرفاته وتفسد تربيته . واليهم اشارة بعض تلك الاخطاء المألوفة :
اولاً - شعور الوالدين بأنهم مسؤولون عن كل شيء يفعله ولدهم . هذا الشعور يولد فيهم حالة نفسية قلقة تحول دون التصرف الطبيعي ويخلق جواً ثقيلاً بينهم وبين اولادهم يضغط على اعصاب كل من الفريقين .
ثانياً - عدم ادراك الوالدين لما يمكن ان يفعله ولدهم في سن معينة ، فاما ان يطلبوا منه اعمالاً تفوق طاقته او ان يحرموه من اعمال يكون بامكانه القيام بها . كلتا الحالتين تستدرج قصاصات لا حاجة بها ان هم ادركوا حقيقة مقدرته .
ثالثاً - محاولة الاهل ان يغيروا شخصية ولدهم الى ما هم يرغبون ، بدلاً من ان يقبلوا به كما هو بطبيعته محاولة كهذه تغير مجرى نموه الطبيعي وتربي في نفسه شعوراً بالنقص يفقده توازنه الاجتماعي فتتوتر اعصابه وتكثر مساوئه .
رابعاً - تحويل انتباه الولد الى نفسه هو خطأ لا تحصى عواقبه فهو يجعل الولد عصي المزاج كثير الاحساس والتنبه لكل ما يصدر عنه ، أشكراً كان ام مذمة ، ويدفعه الى الاتيان بتصرفات مستغربة قصد استلفات الانظار ، كلما تحول الانتباه عنه ، مهما تكلفه ذلك التصرف الغريب من توبيخ او قصاصات .
خامساً - افساح امكانيات عديدة امام الاولاد دون تدريب الاختيار وخوف الوالدين من رفض اي طلب لاولادهم . هذا الخوف يصبح سلاحاً في يد الولد يستعمله كي يستدرج والده الى السماح له باعمال مضرة به ، كما ان الاختيار دون تدريب او معرفة يأتي بنتائج غير مستحبة .

