الكلمة حلها. ترى هل يفهم هؤلاء اللغة كأداة تعبير فقط. يقيني أنها أبعد من ذلك إذ أن التربية الحديثة تركز الأهمية في تدريس اللغة على أمرين، هذا بغض النظر عن الأمر الأول الذي عرفه الولد بغريزته.
أما الهدف من تدريس اللغة فأولاً تربية الذوق الفني وتثقيفه وذلك بإعطاء الولد نماذج فنية يقرأها ويتذوقها فيحسها وتصبح شيئاً مهماً بالنسبة إليه. والهدف الثاني: تنمية التفكير المنطلق في آفاق الحياة ليسعى وراء الحقيقة الأزلية، التفكير الذي يشعب الشخصية ويكسبها طابعها.
إني لأتساءل: هل نسعى في تعليم اللغة العربية إلى هذين الهدفين أعني تنمية الذوق وإطلاق التفكير، وقبل كل شيء هل همنا أن نجعل اللغة العربية واسطة للتعبير بين العرب أنفسهم.
والجواب لا... لا... ولولا ذلك لما أجابتني الطفلة بالانكليزية حين سألتها بالفصحى: هل رأيت القمر؟!
اللغة العربية بمفهومها في المدرسة بعيد جداً عن اللغة العربية بمفهومها في البيت
وفي الشارع وفي السينما. يسمع الولد في البيت لغة غير تلك التي تفرضها عليه المدرسة فهو أن أراد أن يعبر عن نفسه أمام رفاقه انطلق من قيود الفاعل والمفعول المطلق والحرف المشبه بالأفعال والتفضيل وراح يتكلم ما شاء له الكلام فيشبه ويفاضل ويصف ويستعبر من واقع حياته أما إذا أتى ليقرأ عن ولد يحادث رفاقه في كتابه رآه يتقعر ويبعد ويمعن في استعمال لغة لم يألفها الولد فيبعد عنه ويظل يبعد ويبعد حتى إذا ما شب وكان قد درس لغة أخرى تأخذ ماءها من الحياة رأى نفسه مندفعاً إلى جنانها فإذا معظم مثقفينا يعبرون عن أنفسهم بلغة أجنبية أن شئت قل الفرنسية أو الانكليزية أو أية لغة أخرى ولكن ليست العربية..
وينصرف الشباب كلهم عن اللغة ويبقى شيوخ الأدب الذين لا يفهمون اللغة إلا كواسطة لفهم الذين هم الحاكمون بأمره وهكذا تخرج الفصحى عن واقع حياتنا ويصير الطالب يدرس العربية في المدرسة كأية مادة غريبة أخرى كالفيزياء أو الجبر مثلاً.. فعليه أن يدرس عمل كان وأخواتها وإن وأخواتها وأفعال التفضيل والتشبيه والاستعارة والكناية من علوم البديع والبيان إلى آخر ما هنالك من اصطلاحات سنسكريتية، أشياء لا يفقه منها شيئاً، وإنما هو يغيبها ليقذفها على الأستاذ في ساعة الامتحان، وكفى الله المؤمنين القتال، إذ يخرج من القاعة بدونها وإن علق بعض الشيء في ذهنه فللفكاهة.
إنها مشكلة معقدة، مشكلة اللغة العربية كما تدرس في مدارسنا من قبل أساتذة شاء لهم سوء الطالع، طالع النشء العربي أن يكونوا أساتذة اللغة. فكلهم - ويحسن بي أن أكون منصفة فأقول معظمهم - يحسن القراءة والكتابة وحفظ الشعر وكفى. أما
اختيار المادة التي يطيب للولد قراءتها وتذوقها فأمر بعيد عنهم. والتربية شيء لم يسمعوا به أبداً، يعلمون أولادنا أن «كان» فعل ماض ناقص تدخل على المبتدأ والخبر فترفع الأول ويسمى اسمها وتنصب الثاني ويسمى خبرها، فيغيب أولادنا هذه العبارة وهي من عشرات العبارات التي تفرض على الطالب ولا تعني له شيئاً سوى كلمات مرصوفة بعيدة عن واقعه كل البعد فهي جامدة باردة لا حياة فيها، ومهما حاول المعلم ذو الكفاءة أن يضع فيها الحياة فلا يفلح لأنها ماتت من حياتنا منذ أزمان وظلت تعيش في الكتب التي ورثناها عن القرن الخامس والسادس


