

... وحدها مع الأيام ... هكذا يعيش الشعراء ... وحدهم ... دائماً وحدهم ...
ولكنهم ، وهم في وحدتهم ، تضج أعماقهم بألف عالم وعالم ، وتصطرع في نفوسهم مواكب من الرؤى والخيالات وبرون ، وهم يعيشون في دنياهم الموحشة الكئيبة ، بدنياوات عامرة بالحب ، مليئة بالسلام ، طافحة بألف لون ولون من ألوان النشوة والروح !...
فأذا ما سارت شاعرتنا في الحقول والمروج « فلكي تضمها الأجنحة الحفية التي تسمو بروحها فوق دنيا الناس ، ولكي تذوب في الناس وتفنى روحها في روح الوجود » .
أواه لو أفنى ، كما أشتاق ، في كل الوجود !
ما أعمقك أيتها الروح ، روح الشعراء وما أرحب فضاءك وأنقاه !
الريح العاصفة ، والفضاء المريد ، والسحب السوداء الداكنة ، كلها كلها لها صدى مستحب في نفس شاعرتنا . كلها .. كلها لها ظلال في قلبها ... كلها تنعكس في نفسها أشباحاً وخيالات :
وبنفسي مثله يجثم غيم وضباب
وظلال عكستها في أشباح المساء !
★
كلها تمثّل في نفسي رمزاً لانتهاكي !
رمز عمر يتهادى غارباً نحو الفناء !
... بالروح وحدها تسبح الشاعرة في أجواء من الصمت ... بالحس وحده تحيا ، وتزنو إلى جهالات الكون والطبيعة فتودّ :
... وفيها لهف كاسح
لو تأخذ الكون إلى صدرها
تحضنه وتشبع الروح من
آيانه الكبرى ومن سحرها
تعانق الأرض ... تضم السما
تقبّل الغيوم في سيرها
ولكنها تصطدم ، وبالهول الصدمة ، بالفراشة ، فراشة المرج الزاهية التي :
تموت في صمت كأن لم تفض
مسارح الروض بإعراسها
فتأسو عليها وتحنو وتلفها بجبها وحنانها ، أليست أختاً لها ؟
أختاه لا تأسي فهذي أنا
أبكيك بالشعر الحنون الرقيق
قد انطوي مثلك منسية
لا صاحب يذكرني أو رفيق
أواه ما اقسى الردى ينتهي
بنا إلى كهف الفناء السحيق !
★
توحدت الشاعرة لأنها كرهت دنيا الناس ... وماذا في دنياهم غير الخداع والرياء والمحاباة ؟ وعاشت في أجوائها وأحلامها فوق رحاب الفضاء تريد أن تحلّ نفسها من إسارها تريد أن تحطم قيودها ، تجوز الحدود والسدود لتسمو طليقة وراء الزمان والمكان !! يروعها في الأرض سيل الدماء وبطش الإنسان بأخيه الإنسان وصراع البشر وتكالبهم على ... اللاشيء !
بلى هي هذي المآسي الكبار
تعذب فيك الشعور الرقيق
فتنأين عن واقع راعٍ
إلى عالم عبقري سحيق ...
ووحدة الشاعرة تقودها إلى أن تعشق ... الليل ... فتنشر عليه شراع قلبها وتعبر خضمه الدامس العميق ونجذف فيه « في زورق مابه من رفيق » حتى إذا أحست أن قلبها ، هذا القلب الصغير الكبير هو كالليل ، في اسراره وألغازه ، في إتساعه وامتداده ، حوى شئ العواطف ولعبت فيه شئ الأهواء ، فآمن تارة وشك طوراً ، وأظلم حيناً كأنه الفحم ، وأشرق حيناً آخر كأنه الضوء ، صرخت حيرى متسائلة :
فيا قلب ، يا أحد الأصغر
ين ، كيف اتسعت لهذا الوجود ؟
وكيف احتمالك هذا الزحام
من خلجات كثار العديد !
تُحب وتبغض حراً طليقاً
فلا من سدود ولا من قيود
تصدّ نداء الحب القريب
وتهوى نداء العدو البعيد !
فبالك أعمى يقود زمامي
كما شاء فعل اللجوء العنيد
★
ويا لروعة الوحدة عندما تعني في نظر الشاعرة حرية وانطلاقاً :
خلّني ، خلّني بدنيا انفرادي
أتملى توحدي واعتزالي !
أتملى انطلاق نفسي وحرية
روحي من أسرها القتال !
عشقت وحدتك أيتها الشاعرة ، الوحدة التي وسعت الدنيا وخفقت فيها قلوب والتاعت أنفس !!
تباركت وحدتك منهلاً عذباً لنفوسنا العطشى ، ومنبعاً فياضاً لهذا الشعر السمح وهذا العطاء السخي !
متوحد