للحياة نظمها وقوانينها التي وان اختلفت باختلاف المراحل التاريخية والبيئات الاجتماعية ، فانها تهيء للانسان نمطاً من العيش كثيراً ما يتناسب مع طبيعتها ، بحيث تمسي الخطوط الكبرى للحياة التي يقبل عليها الناس معروفة لديهم يرسمون على اساسها منهاجاً لحياتهم يضمنون فيه بعض الاستقرار .
على ان للحياة ايضاً خيوطاً خفية لم يستهد العلم بعد الى ادراك ماهيتها فتلافي تأثيرها على مجرى حياة بعض الافراد ، بحيث قد يعجز العقل عن التحكم بالمسير الذي تفرضه على اولئك الافراد ، وهذا ما تصح تسميته بالقدر . والقدر هذا ليس في كل حال العامل الذي يكيف حياة المجموع ويقرر طبيعتها ، بل يبقى للعقل وللارادة البشرية وللعلم والمعرفة تأثيرها في تنظيمها تنظيماً يؤدي الى تحسين عيشه وتوفير شروط لهذا العيش يستطيع معها ان يحقق انسانيته ويحيي حياة لائقة . فنضال الانسان في سبيل ايجاد النظام الذي يوصله الى مثل هذه الحال يبقى شرطاً اساسياً من شروط تبرير وجوده الاساسية .
وقصتنا هذه تتناول حياة اناس اطاحت بهم الاقدار في لجج من الآلام والعقد النفسية لم يكن للشروط الاجتماعية التي يعيشون في ظلها ولا للنظام القائم الذي يحبون في كنفه من اية بادرة في اثارتها .
★
هي ظريفة جذابة ... تنشر الزهو والبهجة حيث تمر ... انها خفيفة الروح منطلقة النفس ... للابتسامة الحلوة انتشار دائم على محياها ... من عينيها تشع العاطفة الرقيقة ، فلا يراها احد الا وجس وكأنه عرفها من قبل ، فلنفسها المنطلقة اطياف من الانس تغمر شخصها فتحبها الى قلوب الناس ... هي متفائلة المزاج مرحة الطبع ، فهي تعيش في اسرة ميسورة توفرت لها فيها جميع شروط الحياة الطبيعية اللائقة بالنسبة الى الوسط الذي تعيش فيه . فتعلمت وتثقفت ثقافة لا بأس بها ، ولها ميل للموسيقى فأتقنت الضرب على البيانو .. انها جميلة ولا يعوزها شيء من متاع الحياة ، وهكذا فأنها لا تطمح في اكثر من ان تصادف طيف احلامها العذاب لتقاسمه كنوز الحب والعاطفة المتدفقة في جنبات نفسها ، هذه النفس المنطلقة في زهر شبابها ، انها ليلى .
وليلى قد اقبلت على ما يبدو على المنبهات الحلوة من حياة الانسان ، هنيهات يحس فيها وكأن بديب شيء مبهم يتمشى في حناياه فيستحوذ على كل مشاعره ويجعله يعيش في كون قائم بذاته من الاحاسيس الحلوة والاحلام العذاب .
فليلى تحس منذ بعض الوقت برعشة خفية حلوة وغبطة نفسية تضفو على الاشياء ألواناً زاهية من المباهج تحبب اليها الاستمتاع بكل شيء ، كل ما التقت فريداً ولاقت عيناها عينيه تدفعان في
نحوها نظرات ملحة تنقلها اشباح من الحب المتردد المكبوت ، حتى غدت تلك النظرات الصورة التي ترافق خيال ليلى اني اتجهت وكيف سارت .
وعاشت ليلى اياماً عذاباً في غمرة هذه الاحاسيس المبهمة تتوقع حدثاً تتوق اليه من اعماق جوارحها ، وطيف فريد بنظراته الملحة لا يفارقها في كل ذلك .
وكان كل من ليلى وفريد يسعى ، واعياً او غير واع لخلق الظروف وتهيئة المناسبات لتلاقيهما ، واذا باللحظة المرتقبة تتحقق فيختلج قلباهما وترتجف الكلمات على شفاه فريد يتمتمها تمة رقيقة واجلة ويحس فريد ان ليلى تبادله الحب . فتتفتح نفساهما على دنيا عذبة من الاماني الزاهية الزاهرة .
وكان لليلى وفريد ان تمت خطوبتهما اذ لا شيء يحول دون تحقيق امنيتهما ففريد مهندس متخصص في الكيمياء يستطيع ان يؤمن حياة اسرة مضمونة المستقبل ، وليلى تنتمي الى اسرة تجعل منها رفيقة لائقة لفريد .
وراح الاثنان يهيئان قيام هيكل سعادتهما المقبلة وليلى غارقة بين النسائج والحرائر تودعها كل ما في نفسها من رغائب في الاغراء والتفنن في دقة الذوق وفريد جاد في ان يأتي بيته دليلاً على قدرته في انشائه لائقاً ثرياً .
وهنا تأبى الاقدار الا ان تدل على انها قادرة احيانا على نسف كل ما تكون قد بنته الارادات وهيأته المشيئات .
تصحو ليلى في ذات صباح وعلى وجنتها اليمنى بقعة قاتمة لا تنفك تحكمها .. وتمر الايام واذا ببقع اخرى تحوطها الى جانب سوادها خطوط حمراء في اقسام وجهها ولا يلبث القبح ان ينتشر مكان الظرف والجاذبية . فلا تأبه ليلى لامر في

