البداية .. على ان تفاقم امر هذه البقع لم يلبث ان حملها على استشارة الاطباء والاخصائيين ، فلا تنجح العقاقير ولا مختلف العلاجات ، ويدب الشك في امر التخلص منها الى نفسها ويدهش فريد للامر.
ومر شهر وشهران وشهور لم تبق خلالها محاولة الا ولجأ اليها دون جدوى . فيمتلك الذعر قلب ليلى والحيرة نفس فريد والاسف خياله وهو المفتون بمحاسن ليلاه
فيغمر الاضطراب والخوف من المستقبل نفس ليلى فتضعف ولا تلبث ان تصبح كالطفل ازاء فريد تطبعه بصورة عفوية واجلة ، وتتلاشى ارادتها امام الجميع ويمتلكها شيء من الذهول الدائم ، فيبادر فريد الى اعادة الثقة الى نفسها ويدفعه قلبه المحب وشبابه الكريم الى ان يقطع عهداً لليلى بان لا يتخلى عنها مهما تفاقمت حالتها وان يذهب بها بعد الزواج الى العواصم الاوروبية علهما يجدان هناك من يستطيع شفاءها .
وهكذا تمضي شهور اخر على ليلى بين الامل واليأس ، بين التجلد والثورة . تخرج احيانا الى التنزه حتى والى المدينة ، وتحبس نفسها في غرفتها اياماً تأبى ان ترى احداً او ان يراها احد حتى ولا فريد بل لا سيما فريد .
فتغلبت السويداء عليها وتصحو في صبيحة يوم وفي نفسها رواسب من الالم والقنوط تتململ في كيانها فتنشر فيه هدأة حزينة هي هدأة اليأس والاستسلام لواقع كل شيء يدل على ان لا قدرة ستقوى على رده . فوقفت امام المرآة تتفرس في وجهها وتتخيل المصير المظلم الذي ينتظرها في حياة هي فيها شبح مخيف .. وراحت تسترسل في تأملاتها وفي هذا المصير المظلم الذي كتب لها وهذا القدر الذي ينقض احيانا على الناس فيتعسهم ويشقيهم ، وتبدت لها الحياة وكأنها موكب كثيف من خلائق مسيرة
تمشي في نمط رتيب من بدايات ونهايات ، وراحت تنظر الى طيفها ولا تراه وقد انتابها اخطاف اطاف بمخيلتها فوق ذلك الموكب الكثيف من الخلائق التي لها ارادات ومشيئات ولكنها مهما اتسعت دائرتها فهي تبقى في هذا الصف المتراص المتدافع نحو ما قرر له من مصير . فهزت رأسها مبتسمة ابتسامة مرة وارتمت على سريرها هازئة من آلام تستحوذ على كائن مثلها بحيث ينحصر كل الوجود في نطاق نفسه بينا هو لا يعدو ان يكون ذرة في الوجود ، في هذا البحر الضخم من الخلائق ... وقضت اياماً من اللامبالاة الهادئة الساكنة .
المادة السابقة .
ولكن اني للانسان ان ينعتق تماماً من الروابط التي تشده الى نفسه ، الى كينونته ، الى هذا الشعور بان الكون بجميع ما فيه ومن فيه انما هو الاطار الذي يقيم هو فيه ... لا سيما اذا كان في مطلع شبابه ولم يتح له ان يكون ذا رسالة ، فعادت الى نفسها ، الى واقعها هي وعاودتها آلامها وها هي تتناول عن الطاولة قرب سريرها رسماً اخذ لها قبل هذا الداء الخبيث حيث بدت بكل جاذبيتها وظرفها ، وهبت الى المرآة تتفرس به وبهذا الكائن المخيف الذي غدت

