ليلى بشعرها المسدول الجميل وجسدها الناحل الرقيق تشكو في النغم اشجانها وآلامها .
فاقتربت منها برفق خانقة عبراتها واخذتها بين ذراعيها هامسة : ليلى حبيبتي تعالي الى قلب امك يا شقيتي المسكينة ، ليتني استطيع ان افتدي سعادتك بروحي ودمي ايتها التعسة ... واختلطت عبرات والدة كانت تهيء في كل بادرة من حياتها اسباب الهناء والسعادة لابنتها ، بعبرات هذه الابنة المنكودة الحظ التي لم يخامرها الشك في مطلع شبابها بان شيئاً يستطيع ان يحول دون تحقيق تلك السعادة ... ورمت ليلى رأسها المتعب المثقل بالآلام على صدر امها برفق وحنان وراحت تقبلها متوسلة اليها ان تنقذها من هذا الشقاء ، مسترحمة اياها ان تشفق على شبابها .
ويا لها من ساعة وجيعة على قلب هذه الام العاجزة عن تخفيف آلام رفيقة قلبها التي ترجو منها هي الخلاص . فواستها ومنتها بآمال لم تعد هي لتثق بها وحدتها عن فريد وحبه علها تخفف من حدة وحشتها واغترابها ، ولامتها برفق على موقفها منه في وقت لا يستحق فيه الا التقدير وعرفان الجميل على موقفه النبيل منها ... عرفان الجميل ... ما اثقل وقع هذه الكلمات على قلب ألف الشعور بانه مصدر سعادة وبهجة لسواه !!! فأرسلت زفرة طويلة وتمتمت بين الدموع : « أجل عرفان الجميل نحو فريد ونحو الجميع ونحوك انت ايضاً يا اماه على ما تبذلينه من جهود وما تتحملينه من آلام في سبيلي ... أجل عرفان الجميل ... هوذا الشعور الذي بقي لي ان احسسه في هذه الحياة ... انه لدور اغبط عليه هذا الذي كتب لي ان العبه على مسرح هذه الدنيا »
وما اكثر ما تكررت هذه المواقف ... انه الانسان بكل انسانيته يقف امام سر قدرية يعجز عن ادراكها ، مستطلعاً في سكون الليل عن تلك المشيئة الخفية
التي تتلاعب بسائر الخلائق ... انه الانسان وجهاً لوجه امام مأساة وجوده.
هي ليلى وقفت على الشرفة الساكنة في غمرة ليلة مقمرة مسترسلة وراء تأملاتها يتلاعب النسيم الندي بطيات معطفها الابيض الرقيق وبشعرها المسترسل على
اكتافها الناحلة وهي لا تعي ما يجول في خيالها من خواطر ... انها ستنتهي من آلامها ، فها ان جسمها بدأ ان يتشاقل فأرسلت زفرة خافتة وادارت نحو غرفتها تسير الى سريرها الى حيث ستغفو الغفوة الابدية ..

