خطابه ولكن الرسول وهو صاحب الاخلاق الكريمة والنفس الطاهرة والحلم الواسع الذي لا يضيق بمثل هذا اليهودي نظر الى عمر رضوان الله عليه نظرة عتاب لها معناها وهو يقول : يا عمر كنت انا واليهودي احوج منك الى خير من هذا تأمره بحسن التقاضي وتأمرني بحسن الاداء فسكن عمر وتراجع عن ايذاء الرجل فما كان من اليهودي الا ان يهده هذا الحلم الواسع وهذه الاخلاق الرفيعة العالية ومقابلة السيئة بالحسنة .
وما لبث ان خاطب الرسول قائلاً : والله ماجتنك طالباً لحقي وانما قد عرفت امرك بكل صفات النبوة . وبقيت صفة واحدة وهي ان السفه عليك لا يزيدك الا حلماً . والآن وقد عرفتها فامدد الي يدك . فأني اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله .
اما شرعة حقوق الانسان التي تنادي بها اليوم الامم المتحدة فأنها ليست بجديدة اذ نادى بها الرسول في اوائل القرن السابع للميلاد . فقال : « الخلق كلهم عيال الله واحبهم اليه انفعهم لعياله .
وقد حدد القرآن الكريم المساواة والاخاء بما لا يقدر افضل عالم ان يجيء بمثله او بما يشبهه « يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، ان اكرمكم عند الله اتقاكم ، ان الله عليم خبير » .
كما عرّف عليه السلام الاخوة الطاهرة تعريفاً علمياً اجتماعياً . اذ قال : « من عامل الناس فلم يظلمهم وحدتهم فلم يكذبهم . ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت اخوته » .
واجمل من هذا خطبته يوم فتح مكة مع قوم كذبوه وعاندوه وكفروا به
وهم يعرفون من امره الصدق والامانة بل يعترفون في قرارة نفوسهم بان ما جاء به محمد صدق وما دعا اليه حق ولكن تأخذهم العزة بالاثم ان يتبعوا يتيماً او يستمعوا الى فقير . ثم يأترون به ليقتلوه بعد ان يفرغوا جهدهم في ايذائه وايذاء من آمن به .
ولكن الله ينصره فيخرج ولا تهدأ عداوتهم حتى يحاربوه . ثم تزول دولتهم ويمكنه الله من رقابهم ويفتح عليهم بلدهم بجيش لا قبل لهم به وينادي من آذوه بقوله ما تظنون اني فاعل بكم ؟ وحينئذ يجري على السنتهم ما يعرفون من خلاله فيقولون : اخ كريم وابن اخ كريم . فلا يخلف ظنهم فيه ولا تأخذه نشوة النصر ولا يبطره الظفر ولا يحاسبهم على ماضيهم
( البقية على الصفحة ٤٣ )


