في مثل هذا اليوم لتسع سنوات خلت قال لبنان كلمته فكان له ما اراد . في مثل هذا اليوم لتسع سنوات خلت اجتاز اللبنانيون حدود القيود فحطموا السدود ومزقوا صك العبودية وانتزعوا حقوقاً شرعية وتبوأوا مكانة سامية في هذا الوجود . كان يوم انطلاق من الظلمات الى النور، كانت انتفاضة من جمود الخمول والموت الى انبعاث الحياة والامل والسير في موكب الحضارة والتقدم والعمران . كان يوم هدم الرث البالي لتجديد بناء الوطن الغالي وتدعيم المجد التاريخي لتحفظ للبنان تراثاً مجيداً ونفتح افقاً جديداً امام الشعب اللبناني لتتجلى به مواهبه واستعداده وقواه ونشاطه . ومنذ ذلك الحين ونحن نحيي هذه الذكرى كل عام فرحين مهللين وكيف لا وهو يوم لبنان وعيد لبنان ومولد لبنان ولادة ثانية اعلاناً وايذاناً بدخوله ملكوت الانسان .
هذا الملكوت الذي يصنف البشر والذي يعرّف الشعوب والذي يميّز الامم بما اكسبت وما اكتسبت فمن احسن فلنفسه ومن اساء فعليها فمنهم شقي ومنهم سعيد .
في مثل هذا اليوم اكتسب لبنان جولة في ميدان جهاده القومي فسجلت له نصراً وفخراً . وكانت هذه الجولة بدء جولات وفاتحة عهد جديد يبرهن فيه الشعب اللبناني عن كفاءاته واستعداده لمواجهة المستقبل بوعي تام وعقل ثاقب وتفهّم حقيقي للتطورات والاحداث . هو عهد الاستقلال الكامل ، عهد التحرر من ضغط الخارج والداخل ، هو عهد الشعور بالمسؤولية والقيام بالواجبات الوطنية حكومة وشعباً جماعات وافراد فالحصول على شيء ليس كل الشيء في هذه الحياة بل معرفة الاحتفاظ به وتوطيد اركانه ما يهب المرء الرفعة والتفوق والتحليق في هذا الملكوت وما تتميز به الشعوب من قدرة وهيبة واحترام .
الاستقلال هو تحرير الانسان من عبودية الانسان والعمل ضمن نطاق القوانين التي تنص على المساواة بين الجميع وتضمن الحق للجميع والراحة والطمأنينة لكل فرد من افراد الامة فينعمون بعدل شامل وعيش هني وكيان محترم .
الاستقلال هو الشعور بالكرامة الوطنية والتمتع بالحقوق الانسانية التي نصت عليها شرعة حقوق الانسان والتي هي دستور هذا الملكوت .
اعتاد لبنان ان يسمع صوت المرأة في هذه المناسبة كل عام . هو صوت الاخلاص ، هو صوت الحقيقة المستوحاة من الواقع ، هو صوت الوطنية الصادقة المستلهمة من قلوب عامرة بالايمان والعاملة لخير لبنان . وليتنا في كل عام مع تقديم اخلص التهاني واطيب الاماني نقدم للبنان هدية عيده سجلاً ناطقاً بما اكسبناه وما اكتسبناه وليس ذلك علينا بعسير فنعلم اين المقر والى اين المصير وفي ذلك لنا عبرة وذكرى .
لبنان على حداثة عهده بالحكم الذاتي قد شهد اياما جساماً
واحداثاً من الاهمية بمكان ما جعله عليماً خبيراً بضرورة مماشاة الزمن ومسايرة التطورات والاعتراف بالواقع ولذا نزل لبنان عند رغبة المرأة اللبنانية واصرارها على ممارسة حقوقها السياسية فكان الاعتراف بحقوق المرأة المتعلمة وكم تمنيت لو اطلق هذا الحق المقيد وكان كاملاً يشمل المرأة المتعلمة والامية . لقد صُنِّفت المرأة وما أنصفت . فاذ الأمية سئلت بأي ذنب اخذت وهي التي لم تقترف اثماً ولم ترتكب جرماً يبرر حرمانها من حق طبيعي مشروع وما هو شعورها يا ترى نحو وطن عُدَّت لا شأن لها فيه غير دفع الضرائب والخضوع للقوانين والاحكام وهي التي لم تتوان يوماً عن القيام بالواجب . انها تفرقة بين مواطنة ومواطنة وبين مواطن اُمّي ومواطنة اُمّية وكلنا ابناء لبنان . فالأمية لا تشكل جرماً يعاقب عليه الانسان بهذا الحرمان بل المسؤولية تقع على الحكومات السابقة والسلطات المتعاقبة التي اهملت تعليمها المجاني وتوجيهها توجيهاً صحيحاً يجعلها مواطنة صالحة يعتز بها لبنان . وللمرأة وطيد الامل بان السلطات العليا على ضوء الاصلاح المنشود ستطبّق المادة السابعة من الدستور اللبناني وهذا نصها : « كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات دون ما فرق بينهم » فتصدر الحكومة الموقرة مرسوماً اشتراعياً لاحقاً يحرر الحق المقيد ويشيع العدل والانصاف بين جميع المواطنين والمواطنات على السواء .
ويسرني في هذا المساء ان اتكلم باسم كل لبنانية واعلن ان المرأة ادركت ما للاتحاد الاكيد والتضامن الوثيق من اهمية عظمى وفائدة كبرى فوحدت صفوفها وانسجمت جمعياتها على تعداد غاياتها ومراميها في هيئة موحدة تبارك استقلالاً حقيقياً وتقدس دستوراً حمى الكرامة الانسانية وتمجّد وطناً غدت فيه ركناً اساسياً .

