جميع الناس تتحدث عن الحقوق . فالمرأة تريد حقوقها ، وكذلك الرجل ، وكل انسان يريد حقوقه . والحديث عن الحقوق في هذه الايام كثير ، وهو كذلك بعد الحروب عادة . وقد اتصفت الحرب الماضية باكثر مما اتصفت به كل الحروب السابقة من الحديث عن الحريات والحقوق . فكل شعب يطالب بحقوقه وكل طبقة تطالب بحقوقها ، وكل قطر يطالب بحقوقه ... ولا يسعنا بعد هذا ، إلا ان نتساءل عما إذا كان هؤلاء الناس يفهمون حقاً ما يريدون ويعرفون هذه الحقوق التي يطالبون بها !
وقد حدث مؤخراً أن نهضت المرأة تطالب بحقوقها ، فإذا كان الذي تطالب به حقاً لها ، فنيله واجب لا مبرر لحجبه عنها قط ، إلا ان تقرير الحق امر صعب ، يختلف عليه معظم الناس ، فالذي تدعوه المرأة حقاً قد لا يقرها عليه الرجل ، والذي يتمتع به الرجل تحت ستار الحق قد لا تعترف به المرأة فتعتبره استبداداً وانانية جائرة .
ولنأخذ الذي حدث مؤخراً في لبنان مثلاً على ذلك . فإذا
كان حق الانتخاب من حقوق الانسان الديمقراطي فلم يعد هنالك من سبب يدعو الى منحه لفئة خاصة من الناس وحجبه عن الفئات الاخرى . فحتى عهد قريب كان الرجل هو الشخص الوحيد الذي يتمتع بحق إدلاء الرأي مباشرة - وغير مباشرة - في شؤون بلاده السياسية وإدارتها وتنظيمها بغض النظر عما إذا كان صالحاً لمثل هذه المهمة الخطيرة ام غير صالح . ولا يتضح لنا جور هذا الواقع إلا اذا لاحظنا أن المرأة - كعضو في المجتمع - تتحمل مسؤولية الخضوع لنظام الحكم السائد ، وتذعن للقوانين العامة كما يمليها الرجل ، وتقع عليها آفات خرقها او الشذوذ عنها . ومن مفارق هذه الاوضاع ان يتمتع الرجل بهذه الصلاحيات الواسعة التي تؤثر في حياته وحياة ابنائه وحياة المرأة ايضاً لمجرد كونه رجلاً فحسب !.. ثم إذا نالت المرأة مثل هذه الصلاحيات فهي لا تنالها على نفس الاساس - اساس الجنس -
نحن ندرك تماماً اننا لا نعيش في دولة اشتراكية ، وتحت نظام اشتراكي او شبه اشتراكي ، يؤمن لجميع الناس وسائل التعلم والثقافة والتربية ويضطرم إجباريا إلى الأخذ بها . ولذلك وزعت حقوق الناس وواجباتهم وصلاحياتهم ، لا على اسس انسانية مجردة ، بل على اسس طبقية جائرة ومحابة ... لو كانت الحال على غير ما هي عليه لوجدنا جميع الأطفال والاولاد في المدارس ومعاهد التربية الحسنة ، ينالون ثقافتهم حسب ذكائهم ومقدرتهم لا فرق في ذلك بين ثري وفقير ، ذكر وانثى ...
إن مثل هذه التسهيلات - وهي من اسباب بقاء الدولة في العصر الحديث - إذا توفرت لجميع ابناء الشعب ، جعلت ذلك التقسيم الثقافي الذي اعتمدته الحكومة مؤخراً - عند النساء - مقبولاً .. ومقبولاً على مضض بلا شك .
إن الثقافة عندنا وقف على فئة من الناس دون الاخرى . والاسباب كثيرة ... تجد طبقات الاغنياء الذهاب الى المدارس ميسوراً وتكاليف الدراسة الباهظة امراً اعتيادياً بسيطاً ...
اما الطبقة الوسطى - في العهد الذي كان لنا فيه طبقة وسطى محترمة - فيعرف كل من ينتمي اليها أن التضحية بضروريات الحياة في غالب الاحيان ، من الامور الاساسية لاكتساب المعرفة ونيل الثقافة ... وأما الفقراء ، او ذوو المدخول الضئيل ، فالتعلم عندهم من كماليات الحياة التي لا تخطر ببالهم او تمر بمخيلتهم الخصبة الجامحة . وهؤلاء كما لا يخفى على أحد هم اكثرية الشعب والعنصر الذي له الحق الاول في التعبير عما تحتاج اليه البلاد من حرية وعدالة وتأمين ، هذا رأيي على الاقل ... والمرأة التي تنتمي الى هذه الطبقة أصلح من رجلها لنقل تلك الحاجة العطشى الى ذوي النفوذ ، واقدر منه على التعبير بجلاء ووضوح عما اختبرته من فاقة وعاشته من إهانات اجتماعية واقتصادية وصحية . فالمرأة المثقفة لا تمثل - في كثير من الاحيان - المرأة في هذا البلد ، امرأة العامل وامرأة الفلاح ، وامرأة الكادحين في طلب


