ان اثر المرأة في نهضة الشعوب ، واثرها في انحطاطه سواء في الفاعلية والقوة . فنوازع الشعوب ان حسنة او سيئة ، لا تتأصل في كيانها ، ما لم تتمكن في كيان المرأة . وتكون هي المثيرة لها والملهمة .
والتواريخ اصدق برهان على فعاليتها في حياة الامم ، وتطوراتها وانقلاباتها ولكم من مواقع حاسمة كان للمرأة فيها الاثر الواضح ، فاقامت الحد الفاصل بين التدهور والانهزام ، وبين التقدم والانتصار لكثير من الامم . والانقلابات السريعة في الشرق العربي ، هذه السنين الاخيرة ، دليل على نضج فكري عند المرأة والرجل على السواء . ودليل على ثورات فعلية تعتمل في الفكر العربي ، وعلى تطور واقع فيما يتقبله من مبادئ وعقائد ، هي من صميم القوى العاقلة في الشرق ومن جراء ذلك حدثت تغيرات عما يرضاه المجموع ، من اوضاع وحالات ، كان في غفلة من مساوئها في الماضي . ومنها تقرير المسؤولين اعطاء المرأة حقها السياسي . لان المجموع قد آمن بأن وجود القائد الحكيم يوجه تلك النزعات الشعبية الى خير الشعوب وبان وجود المرأة الحكيمة ، بين الصفوف يثبت ويحمي اسس الاستقلال ، ويثير ويذوب القوى الجياشة المتطلعة للتقدم .
فلا سبيل الى اطفاء شعلة الحقائق المشرقة بعد الآن . ولا الى كبت الحياة المتأججة في الصدور . فالتطور حتمي واقع عند كل امة حية . وما كانت امم الشرق لتموت ، وعندها من خصائص الامم . وميزاتها ما هو جدير بحياتها من الموت . بل وعندها من الصفات ما جعلها في مطلع التاريخ مشرقاً للمدنيات ومؤثلاً للديانات .
ان التربية القديمة للمرأة الشرقية ، قد ولدت عندها كثيراً من الصفات التي لا تتلاءم مع الخلق الرفيع ، ولا تجدر بالمرأة الناهضة ، ومن هذه الصفات الجبن والمداهنة والتردد والضعف والانكماش . صفات تؤدي الى الانهزام والخذلان فكانت بمثابة قيود داخلية ، لقوى نفسها ، التي استكانت للوضع القديم المهين وقبلت كل ما فيه من ألم ومذلة .
اما اليوم ، وقد انتشرت الثقافة بين مختلف الطبقات ، فقد تلاشت او انحلت معظم هذه القيود واصبحنا نرى الفتاة تهافت على دور العلم ، كما يفعل الفتى ، متحررة من قيودها الذاتية . وهي جاهدت للتحرر من قيودها التي لم تكن تملك وحدها أمر حلها ، لتتقيد فقط بقيد الكرامة والخلق القويم . وهو القيد الذي يفرض الواجب ، ويبين الحقوق ويكوّن الارادة ويشحذ العزم .
ولقد اشتركت المرأة مع الرجل في تحطيم الاغلال ، وفتح ابواب السجون المغلقة دون انطلاق النفوس وهيهات ان ترجع اليها المرأة بعد الآن وحكماء الامة قد فهموا بان المياه متى علت لا بد لها من الفيضان . وان لم تحول للخير والبركة فهي من اسباب
التدمير والخراب.
فلنفتح عيوننا جميعاً اذاً الى الوهاد التي سنواجهها في طريقنا الصعب . ولنعلم ان تكاتف المرأة مع الرجل يمهد الطرق الوعرة التي امامنا للنهوض .
ان التغير والتطور ، لا يمكن ان ينال ناحية دون اخرى ، بل لا بد له من ان يشمل جميع النواحي والاوضاع في الحياة الوطنية ليكون مفيداً مثمراً .
فلا غرابة اذاً في ان الوضع القديم الفاسد . فيما يختص بالمرأة قد تجدد وتغير ، مع غيره من الاوضاع ، ليتلاءم مع روح العصر اليقظة الساهرة وليتوافق ويتحد ، مع الوعي القومي التام المنتظر .
وفي الشعوب خاصة عظيمة ، هي من اسباب حيويته ويقظته وثورته هذه الخاصة هي الشعور الغامض لمعرفة ظالميه او منقذيه . وهي قدرة غريبة يستوحي بها الشعب خيره او شره . فيمن يقوده او يوجهه . وحينما يستطيع الشعب ان يعلم خيره يكون قد توصل الى درجة الوعي الذي يضمن له الاستمرار في حياة كريمة .
ومنذ القديم كانت اليقظات بعد الرضوخ تنفتح عن انقلابات عظيمة في جميع الاوضاع التي تتعلق بالرجل والمرأة على السواء .
وان من واجب المرأة اليوم ان تتحد مع الرجل في الاغراض الوطنية ، فتصدف عن المناقشات التي تهدر الوقت ولا تأتي بفائدة . وتعمل مع غيرها من المواطنين على احياء الروح الوطنية لتخفق ثائرة على كل عداء .
فلقد اتسع افق الادراك والمعرفة عندنا . وعلا خضم الحياة الى الاوج مضطرباً هادراً واستعر الحماس في الصدور فائراً مدوياً . اما المبادئ . فلن تسمو كما نرغب ، والاعاصير لن تهدأ كما نريد ، اذا تخلت المرأة عن المعركة وشغلت باللهو عن


