



ترعى النجوم كانت هوايتها . وكأنها كاهن من بني كلدان ، يناجي النجوم ليله : يتعبد ، او شيخ من الاعراب ، يرى مراقبتها علماً وفناً ، لا انها تعيش في منتصف قرن كافر بالنجوم ، ولا انها صبية بعد ، بوسعها ان ترعى القلوب .
ماذا ، كانت ترى في النجوم ما لا نرى ؟ كانت تمتّ اليها بنسب ؟ تجد في بعضها ذاتها ؟ اسئلة كانت تسري ببالي كلما شاهدتها في غيبوباتها النجمية تلك ، كأنها شطحات رابعة ، أو سمعت عن أمسياتها خارج خيمتها في ضهور الشوير ، او على شاطئ البحر في بيروت ، او فوق سريرها اليتيم على سطح بيتها الذي ( هو ايضاً ) يفتقدها .
هناك كانت تغيب . تستعرض الكون وما فيه . تحلم . تبحث عن حلول لمشاكل كان ظلماً ان تعبر بحرى حياتها . تتراقص في مخيلتها همهمات لو نقلتها على ورق ازرق عرف الشعر ربته . وترعى النجوم .
وكان عالم النجوم بكراً إليّ ، فما فتئت تكشف لي بمجاهله حتى وقفت على اسرار عبادتها . كان ذلك في الايام الاخيرة قبل الفراق ، واذا بي اعرفها من جديد - اعرفها للمرة الاولى .
واذا بي افهم قولها : « ويوماً ان افترقنا فستجمع بيننا النجوم » .
★
ان في هذه القطعة من الرومانطيقية اكثر مما كان لها ان تحمل ، اقر به قبل ان يعاب علي . واحد يشفع لي في ذلك : انها من مخلفات عهد الشباب - عهد الحب فيه كل ، النجوم كالأجساد ساحه ، والخيال فيه توأم للواقع ، والاسطورة اسمى من باب الاجتماعيات في الصحف .
ولولا يقيني ان قارئتي العزيزة تعرف الحب ، ويتراءى لها ( او يوماً تراءى لها ) بالجلباب الذي ألبسته اياه ، وانها تدرك ان الرومانطيقية ليست في الواقع منفرة كما الآن يزعمون - لما نشرت هذه القطعة اليوم ، ولا بقيتها حيث كانت هذه المدة الطويلة .
ت . ص .
شدّ ما كان يدهشني في ج . . ، وكل ما فيها كان غريباً ، لحظة تتردد كل مساء . كانت تحدّث او تستمع ، او تحدّث اذ تستمع ، فتراها تصمت على غير انتظار ، وتحدق فوق وتحدق . ثم تصيح ، ويصيح مع فيها جسدها بأكمله :
- فيجا !
اما قلت ان عالم النجوم كان اليّ بكراً ؟ لم أدرك اول ان سمعت هتافها ما تقصد . خلتها تتحدث بالطليانية المحببة اليها ،
او ارخميدس يهتف : اوريكا !
والتفتت اليّ باسمة ، فرحت اسائل عما عنت ، زينك اليتوعين الصافيين حتى الحصاة الاخيرة ، اسائل عينيها اللتين احببت ، وعجبت كيف احب لاول مرة اثنتين !
وافهمتني وهي تفقه ان فيجا احدى النجوم ، انها هاتيك النجمة الشعشعانة - واشارت الى فوق وكأنها تطمح ان تلمسها بسبابتها . واردفت مستغربة :
- ولكن ألا ترى القيثارة ؟ انظر هناك ، تلك الانجم الثلاثة فوق متوازي الاضلاع ؛ هذي هي القيثارة ، واولى الثلاث الساطعة هي فيجا .
- اذاً فليس بلا القيثارة فيجا وليس بلا فيجا قيثارة ؟
- اجل يا صاحبي . ألا ترى تلك تضم هذي وهذي تتوج تلك ؟ ألا تراهما اثنين في واحد ؟
★
ذات مساء روت لي ج . قصة فيجا ، وكانت في افتعال لم الحظها فيه من قبل . ونظرت اليّ بطرف عين ، وقربت رأسها مني . وبعد لحظات كنت استمع .
« من زمان ، كانت تقطن السماء « شبه نو » ( هذا اسمها في الصين ، وفي اليابان « تنباته » ، بنت رب الشمس ، وإلهة النسيج . كانت تصرف سحابة نهارها فوق المغزل ، تحبك منه للنجوم ضياء وللشمس نوراً وظلا وللفجر ألوانه الباهتة . وكان الارباب يرون ما تحبك فيشدهون ، فاما التفتوا انستهم الناسجة جمال النسيج .
« وحدث يوماً ان عكّرت صفاء الجو بعض غيمات عابرة ، فسارعت شبه نو الى مغزلها تحمله الى ما تحت الغيوم لتمنح الارض فيضاً من صفاء . ولعلها اقتربت من الارض اكثر مما كانت تظن ( في مخطوطة لاحد تلاميذ كنفوشيوس قرأت ان كبير الآلهة تعمد ان يجعلها تقترب ، وترى ) ، - فرأته .
« في الارض المكتظة ، رأته وحيداً . وحيداً ، الا من قيثارة على ذراعه ، كان يضمها اليه كأنها حبيبة له ستزفّ في غد . وكان مطرق الرأس ساهماً .