« مرة بعد مرة كانت تترك شبه نو ديارها الازليـة وتقترب من الارض لتراه . ادركت ما عضّه من حسرات ، وما يثقل ظهر الفتيّ من احلام انقلبت احمالاً . عرفت ان عندها الشفاء ـ ان فيها الشفاء .
« وفي السماء نسجت شبه نو ثوباً لها جديداً ، حاكت خيوطه من قطرات الندى ووشّته بانعكاس ضوء النجوم في المياه الساكنة . ولما ارتدته اشاح القمر بوجهه المكفهر وارتسم علـى وجنات النجوم شحوب ما زال يعتريها .
« واسدلت شعرها الاحمر على كتفيها وصدرها . فما بان منه غير شامة خبيثة عرفت اين تحط !
« وتلاقيا . عرفت فيه شاعراً صرف ايامـه يعارك الحب ، فيوماً يصرعـه الحب ، ويوماً هو يصرعه ، وفي اليومين يلفظ ابياته و كأنه يلفظ أنفاسا ، وتتحرك القيثارة و كأنما الانامل تحرك اوتارها .
« عرفته ، وما عرفها . أكان مشغولاً بذاته ؟ ام ظنهـــا والسوى جَبَلتَين ـ والطين احد ؟ حدّق في عينيها ، واستراح . استراح ، لكنه لم يَفِء .
« ما عرفها ، وعرفته . أليس مفستفوليس رجيماً ؟ لكن ما باله ينظر من عل ، يرقب اللاعبين ولا يلعب ؟ ام لا ؟ ان لحيته الصغيرة الحمراء تقول لها انه ساتير لعوب ، لكن مـا باله وحيداً سئماً ؟ ام انه إله ، من اسرة غير التي تنتمي اليها ، إله « يعرف مع الخلد عمق الفناء » ؟
« ودعته : دعت مفستو الى اللعب لا التفرج ، الى العبث لا الحج . دعت ساتير ليقفز فوق الجبال ، ليعبث في الادغال ، ليفجر الينابيع ، لينساب مـع النهر الكبير الى البحر الحيّ . دعت الاله ليحقق ذاته . وراحت تكشف له عن نفسها ، ترنح عنهـا ستاراً بعد ستار ، تمزق حجاباً تلو حجاب . ومع كل قناع يتساقط كانت الصنوبرات الرامقة تصغي لاهتزازات القيثارة ، اهتزازات لم تألفها فيها فيما مضى .
« الشتاء بطوله دعته ولم يـعِ . والربيع بطوله صرفته في التعري ، فكأنما كان يجدها ، ويجد ذاته ، وقيثارته ، للمرة الاولى . وفي الصيف ، في منتصف الصيف ، والمؤذن يهلـــل ، احتضر الفزع ، وانزاح الستار السابع الاخير ـ فوعى ، ولبّى ، وكان .
وصمتت طويلاً ، وصمتُّ . وانعمت النظر في ڤيجا ، لكن
لمحت مقلتي محدثتي تزوغان : من ڤيجا الى القيثارة ، ومن القيثارة الى ڤيجا .
لست اذكر كم من الوقت انقضى قبـل ان عادت ج . الى الحديث . ولو لم اكن موقناً انها هي التي تحادثني لظننت من الصوت انها عداها .
« ثم ماذا ؟
« نعما بالهناء ، كأنهما عاشا حقاً في اسطورة . لكن كيف لي ان اصف لك ذاك الهناء ؟ ألم تلحظ ان دانته نفسه قال وقال في الجحيم ، وفي المطهر ، فلما وصل في تجواله الفردوس قصّر فما درى ما يقول ؟
« كان يخشى ان عرفته ان يزول السحر ، فاذا بالسحر انمـا يفعل بعد ان انزاحت الحجب ، او ان يفقدا الهناء ، فاذا بهما ، الآن فقط ، يدخلان قصره ، بعد ان كانا على عتبة باحه .
« هناء ، قلت ؟ ان القدر ذاته يكره الهناء ، بـل الآلهة لا تمنع الهناء ، ان منحته ، الا بقسط . فما لهذين ينعمان وحدهما به ؟
« وبعد ، فالشمس ناقمـة والنجوم عاتبة والفجر مكتئب : من ينسج لهاتيك نورا وظلاً ولتلك ضياء ، ولهذا ألوانه الباهتة ؟
« .... قُلْ ، هل رويت لك ان كان على مقربة من كوخهما ثعلب برّي قدم من وراء الشفق ( في مخطوطة تلميذ كنفوشيوس ان السماء ارسلته بتعمّد ) ؟ كان يمر امـام الكوخ باستمرار ، ينظر بمكر ، لكن الهناء الذي كانا فيه لم يترك لهما مجالاً للتفكير في مفسد الكروم ذاك .
« لماذا اطيل عليك : في عشية لاهبـــة عضّها الثعلب عضّة شرسة . لو كانت بشراً لقضت ، لكنها بنت السماء ، فانتزعتها الى ذراها السماء .
« تلك الليلة افتقدها فلم يجدها . وافتقد معها وتراً من قيثارته كان يصبغ ألحانها بالنشوة والحبور ـ ادرك انها اصطحبته معها : ذكرى ، ورباطاً .
« الآن عرف الوحدة ، الآن عرف الترحال الى اللامكان . الوحدة والترحال ، كانا فيما مضى متعة وحقبة بين فصلين ، فاضحيا حياة ( حياة ؟ ) ومسرحيـة كاملة . والتفـّت حوله النبيغات الطروبات : خطرن امامه فلم يرَ ، وعبثن بلحيته فكأنه جلمد ، وحرّكن القيثارة فاذا بالوتر الغريد الذي كنّ يتراقصن علـى نغمه يشكو ، مثله ، الفراغ .
