تقاس الثقافة في الامة بالنسبة الى الوعي الوطني والحس الاجتماعي في المواطنين ، فهل يحق لنا ادعاء الثقافة ؟ وهل يجوز ان نعتبر كل من حمل شهادة في العلوم العالية مثقفاً ؟
لنأخذ مثلاً امرأة من حاملات الشهادات العالية ، ولنترك احاديث العلوم التي تخصصت بها ، ولنبحث معها شؤوننا العامة وطنية كانت ام اجتماعية . وبعدئذ نحكم فيما اذا كانت مثقفة او متعلمة وحسب ، لان التعليم يكتفي بجمع معارف مبعثرة ، متنافرة ، ومنسجمة ، فيثقل العقل دون ان يصقل الروح ، بينما التثقيف يستهدف القيم العليا في الحياة ، ويجعل من المرأة سيدة تعرف حقيقتها ، وتسعى الى حقها عن طريق الواجب .
ان جهلنا بمتطلبات مجتمعنا وقضايا امتنا ، يحرمنا من غاية معرفتنا . ويقيني ان العلم الذي لا ينفع كالجهالة التي لا تضر .
ما هو نصيب المرأة في بلادنا من الثقافة ؟
يحق للمطلع ان يحكم على اكثرية نسائنا المتعلمات بعدم ثقافتهن ، او انهن شبه مثقفات .
ترى فتاة جامعية فخورة بما نالت من درجات في العلوم ، فتعتقد انك امام امرأة من النوع الذي ترتجيه لبلادك . فاذا حدثتها تكشفت لك بسرعة عن الحقيقة المؤلمة ، وهي ، انها تجهل كل ما يتعلق بشؤون بلادها ان مادياً او معنوياً .
انها تحفظ مثلاً تاريخ اوروبا ، وتكاد لا تفوتها حادثة من حوادث تاريخها القديم والحديث ، وتعرف عن تطورات حياة انكلترا وفرنسا الاجتماعية والوطنية في عشرة قرون ، اكثر مما تعرف عما حدث في بلادها من تطورات وطنية او اجتماعية منذ سنة واحدة . انها متعلمة علماً غريباً لا فائدة منه لها ولقومها وبلادها .
والمرأة ، بالطبع ، ليست وحدها في هذه الثقافة المسوخة ، بل يشاركها الرجل في جهالتها ، ولكن ، يمكن القول ، ان عدد الرجال المثقفين في بلادنا ، يفوق عدد النساء . لان الوعي الاجتماعي تغلغل في اوساط الرجال على مدى اوسع ، وذلك لان المرأة عندنا ، نشأت على الروح الاتكالية فيما يتعلق بشؤونها الخاصة والعامة . والمسؤولية تقع في ذلك على اوضاع اجتماعية فاسدة مفتعلة ، تركتها عصور الانحطاط التي مرت علينا ، فافسدت حياة مجتمعنا ، وامعنت فيه تفسيخاً وتجزئة ، فاثرت على نفسية ابنائه ، فنشأوا اتكاليين متنابذين في حياتهم الاجتماعية ، غير مبالين بمصيرهم الوطني .
ولقد دار الزمان دورته ، واصبح من واجبنا ، ان نأخذ عن الامم التي ادركت قضاياها القومية ، واتجهت اتجاهاً صحيحاً الى الدراسات الاجتماعية والادبية والتاريخية .
في بلادنا يقظة اجتماعية ، والمرأة في وطننا تتمتع بحرية نسبية لا بأس بها ، اذا قيست بحالة المرأة في عالمنا العربي . وابواب العلم متيسرة لها . وقد فاقت المرأة الغربية في كثير من نواحي الحياة الشكلية التافهة ، وبهرتها قشور الغرب ، فاندفعت وراءها معتقدة انها من متممات « الثقافة » والمدنية . فما بالها قد تجاهلت مكانتها في بناء الامم وصراع الحياة ؟
قد نجد لها عذراً لما فات اذ تعطلت امكاناتها ، وتجمدت مداركها بفعل الكبت التقليدي البغيض ، اما الآن فلا عذر لها .
اخشى ان يفهم من حديثي ، اني استثني المرأة في درجات علومها الابتدائية او الامية ، اذ وجهت اهتمامي الى المرأة المتعلمة . اني اجد بعض النساء اللواتي لم تساعدهن الظروف على التحصيل العلمي العالي ، اكثر فهماً لمسؤولياتهن في الحياة واعمق وعياً لقضايا امتهن ، من متعلمات لاهيات عن كل ما يدور حولهن .
فاذا ما توجهت بحديثي الى الجامعيات ، فلان البلاد تنتظر منهن ما لا تنتظره من الفتاة التي حُرمت من متابعة التحصيل



