
ان في عيد السلام، وفي سيرة صاحب العيد، لعبرة في المسالمة والتسامح - لم يعتبر بها البشر منذ عشرين قرنا، فكأنهم على كبر سنهم ما زالوا اطفالاً يتنازعون قطع الحلوى في الاعياد وكل ما اتمناه ألاّ أشهد وألاّ يشهد ولداي الحبيبان وامهما حربا عالمية جديدة تكون ثالثة الحروب التي عشتها. فقد ولدت في الحرب العظمى الاولى، وشهدت الحرب العالمية الثانية، واليوم أشهد الثالثة - وهذه الحرب باردة تجلّد الاطراف وتنذر بان تحتدم بين كل ميلاد وميلاد.
ان اول ما افكر فيه في هذا اليوم هو اجتماع العائلة في آن واحد وحول هدف واحد. ثم ان عيد والدي يصادف في الثالث والعشرين من هذا الشهر فتجتمع لاجل ذلك جميع افراد عائلتنا في
منزلنا ونبقى كذلك حتى مرور الخامس والعشرين منه ونحتفل بالعيدين معاً.
وقد تعجبين عندما اقول لك بانني لا احبذ السهر الطويل هذه الليلة، بل على العكس فالجو الذي يوحيه لي عيد الميلاد هو جو المنزل الدافىء الذي يحبب الفرد بالفراش، فترينني اذهب لسريري في ذلك اليوم قبل أي يوم آخر. والذي افكر فيه هو تقديم بعض الهدايا للأهل والاصحاب لا فرق عندي مهما صغرت تلك الهدية او قلت قيمتها.
تجلت عظمة الميلاد في بساطته فقد ولد المسيح وعاش متواضعاً وكلما كانت حفلاته هادئة بسيطة بعيدة عن الصخب كلما شعرنا بروعتها لانها تقربنا من الواقع ومن سمو الحقيقة.
من اهم اسباب تعاسة الانسان هو تفكيره بنفسه وبحاجياته الخاصة. والميلاد وهداياه تجعلنا ننسى انفسنا ونفكر بغيرنا وبالتالي نرى المرح والسعادة ينعكسان على وجوهنا وينتشران في هذا الموسم. ان التفكير بالغير يولد الشعور والعاطفة مع العالم المتخبط المحتاج.
الميلاد هو الطفولة المرحة البريئة فقد ولد المخلص طفلاً. أتى كطفل صغير ليعيش بيننا فيعرف مشاكلنا ويرى التجارب في طريق حياتنا ثم يجدها حلولا. انه عيد الخلاص. والميلاد كهذه الفكرة يجعلني اقدس هذا العيد وانزله منزلة خاصة في نفسي.
ان عيد الميلاد يذكرني بشيئين هامين اولهما هو اتحاد العائلة ثم التحرر من الواجبات اليومية التي تقع على عاتق الفرد. واهميته عندي تتعلق بالناحية الدينية التي تجعلني اتغنى بالطفولة واقدسها وانا اسعى لكي أقدم العطايا لمن يحتاجها لان تعاليم ديني الذي بدأت في هذا العيد تحتم علينا ان نعطي من انفسنا دون ان تنتظر شكراً او رداً لما وهبنا.
والذي اذكره دائماً في هذا العيد، هو ايام طفولة اولادي يوم كانوا يعلقون جراباتهم على اسرّتهم وينتظرون فيها الهدايا فكنت انا اقوم بهذه المهمة في الليل واشعر اثناء ذلك انهم يرونني ويسمعون حركاتي ولكنهم كانوا يتظاهرون بالنوم. كان الواحد منا يشعر بوجود الآخر ولكن واحداً منا لم يجاهر بذلك كي لا نفسد اهمية ذلك الرمز الذي كان يهلّ علينا.