ما الذي يجعل المساء اشد إثارة للخيال والهواجس والشعور؟ لماذا تستطيل فيه الابنية والاشجار حتى تكاد تطاول السحب، وتمتد الخطوط والظلال وتصبح الحواس اشد رهافة والافكار شبه محمومة؟
اسندت رأسي بيدي واصطنعت هيئة من يذوق الراحة بعد عناء النهار. ولكن كيف الراحة وقد جثم فوق رأسي احمال اخذ يتساقط تحت ثقلها؟ ها انا اغض عيني ولكن انى لي النوم وهذه الخيالات العالقة بذهني تلح في الظهور وترغمني على استعراضها.. الذكريات المريرة التي تخز روحي كالابر وتطفو على صفحة ذاكرتي حاجة غيرها... عبثاً احاول ان ازيحها. انها تجثم هناك جثوم النوائح وتنظر اليّ بعينين جامدتين وتسلّ من صدرها كتاباً تقرأ صفحاته واحدة واحدة. ما اكثر هذه الصفحات... معزوفة لا تنتهي.. معزوفة الرجاء والخيبة، الكفاح والالم، الحب والنفور، الحسد والبغضاء، الظلم والانانية: وتمر امامي وجوه ضاحكة، عابسة، هازئة، مرآية تحمل في تضاعيفها ألف معنى وتتكلم بألف لسان.
ويرنّ في اذني صوت حاد ذو نغمة مصطنعة سمجة تدخل الأذن كالحراب. واحوّل عيني الى صاحبة الصوت وقد عصرت وجهها الابتسامات فغرقت فيه العينان وتقلص الانف وتكوز الخدان واجتازته الخطوط المستعرضة من جانب لآخر.
صاحبة الوجه تبسم لجماعة من النسوة تحلقن حول الطعام، وكأني بها قد تحولت بأجمعها الى ابتسامة، انها تلاحظ حاجاتهن لتستبقها، تستبق اقوالهن لتوافق عليها، تحار في اجتذاب رضاهن فتتأتأ وتتلعثم ثم يفتح عليها فتلقي بنكتة او بما تظنه نكتة فتضحك وهنّ لا يضحكن، تحس امامهن حقيرة صغيرة رغم ضخامة حجمها، تنكمش في هيئة خنوع ويساورها القلق والخشية من ان تكون قد اغضبتهن. لكن كبيرتهن ترمقها من علٍ بنظرة رعاية واستحسان فيعود اليها المرح ويشيع في عينيها بريق نهم.. اين رأيت مثل هاتين العينين النهمتين؟... تذكرتْ. انها عينا السائق الذي كدّس الركاب في سيارته كما في علبة سردين فكانوا خمسة عشر بدل ثمانية وكان يتلفت يميناً ويساراً كمن يحاذر اشارة شرطي ثم تنطلق سيارته بسرعة جنونية
وينطلق فمه بضحكة واسعة عريضة تعبر عن ابتهاجه بمساعدة الحظ واغتباطه بما يبديه من ذكاء وبطولة.
ويطل عليّ وجه آخر. ليس بالوجه الذي تعصره الابتسامات المصطنعة ولا بالذي تشنّجه الضحكات الجشعة. بل هو وجه غشيته سحابة من الكآبة وبرزت فيه العينان في شبه اغفاءة تستتر وراءها الاحلام المريضة. اغفاءة توهم الناظر ان صاحبته تغضي حياءً او تغض الطرف رقة ونعومة. ولو راقبها وهي تمدّ نظراتها خلسة من وراء ستار الاجفان لقرأ في وجهها الشاحب خداعاً وختلاً ولمح في عينيها الغائرتين لهيب خبث ودهاء.
أذلك وجه آخر يطل من النافذة؟ يجب ان اهرب من هذا الجو... اكاد اختنق. وانهض فجأة وادفع الباب بيدي واخرج مسرعة الى العراء... لا راحة الا في حضن الطبيعة. هناك اجد النسيان. هناك تفارقني الوجوه. وأقف على الشرفة فافتح فمي وصدري وقلبي لنسيم المساء وبرودة العشية، وانقل بصري بين بريق الكواكب وتوهّج الانوار الكهربائية. واغرق في لحظة انفراج وغفلة. ولكن... ما هذا الصوت الرتيب يشق حجاب الليل؟ نغمة ناشزة نافرة توقظ شتى الاحاسيس المؤلمة التي احاول دفنها تحت اغشية النسيان... صوت شحاذ ليلي احتل الرصيف المقابل واتخذه مركزاً لتجارته. لقد التصق بالحائط ماداً ذراعه وجمد كالمومياء ازاء حركة المارة العائدين الى بيوتهم او السائرين الى لهوهم. واندفع لسانه بحركة مستمرة يردد عبارة يتجمع فيها التذلل والحقارة والملق والجشع والنهم، ومن خلال وجهه عادت اليّ الوجوه عابسة، ضاحكة، هازئة، مرآية تعبر عن الف معنى وتتكلم من غير لسان.
وهربت من الشرفة ووجدت في غرفتي ملجأ ادفن فيه اطياف المساء. ولكن عندما غرق وجهي بين الوسائد والاغطية ارتفع صوت من بين الاصوات. ارتفع الصوت مؤنثاً معاتباً متهكماً. ما الفائدة؟ ألست واحدة منهم؟ ألستِ ممن اولئك الذين يعيشون بالملق والمداراة واصطناع الرضى والسكوت عن الظلم واحتمال العبودية والرضوخ لنيرها؟ ما الفرق بين موثور ومُوتور؟ أليس الاغضاء على الشر كالوقوع فيه؟
