كان هذا الاديب مناضلاً في درب القمر وفي تموزياته . كان يغضبه كل شذوذ حتى شذوذه هو ، فيحتدم غيظاً وتخرج الكلمة من تحت قلمه كأنها حديدة خارجة من الكير تقطر دماً وتشع نوراً وناراً . فإذا تصفحنا ديوانه رأيناه يبكر في التوبة ، ففي عام واحد . عام ١٩٣٤ ، نشر اولى قصائده ( الى اين ) وختمها بهذا البيت :
يُصَفِّقُ الوادي لأعراسِنا
إذ يسمعُ الوادي صدى القُبْلتين
وفي العام نفسه نظم ( مزمور الخلاص ) الذي يقول فيه :
أتوبُ عن الماضي المجمَّرِ باللَّظى
وأغسلُ أدراني بقارورة العطر
فكأنه ما شبَّ حتى شاب . ولكنه رغم توبته في شعره ظل حاد الشهوات فتخيل الزنبق . وهو رمز الطهر عند البشر . كأنه يحس ما نحس ، فقال في ابتسامة الزنابق البريئة :
ما للزنابق فوق النبع خالعة عذارها ، وشباب النبع يغويها
اظنها صورة لم تمر في خاطر شاعر ، وما اكثر مواليد قرائح الشعراء .
اما ألفاظ فؤاد ، وصوره الشعرية فأرى الكثير منها منتزعاً من محيطه ، وهذا اثر المربى فينا ، اسمع كيف يخاطب واحدة في قصيدة ( عابرة طريق ) :
لستِ من عَجَنتني ولا من خميري
فاتركيني أسيرَ وحيداً وسيري
اما الموت ، ابعده الله عن السامعين ، فكنت أراه في شعره أنّى اتجهت في ديوانه كقوله :
إذا تلقَينَ في عينيَّ همّاً
وفي وجهي اصفراراتِ المَغيب
وكما يقول في قصيدة عنوانها ( مقبرة ) :
أنا وجهُ القبر تلقَينَ على جبهتي الصفراء أشباحَ المنايا
غلغلتْ في كل ضلع غُصَّة وجنازاتٌ تهادت في الحنايا
أرأيت هذا الشعر الزوالي ؟ حقاً ان خاطر الانسان دليله .
وإذا طوينا صفحة الفناء رأينا بعض نماذج من ألوان الحب الجارف . ففي قصيدة ( الهوى المكتوم ) يخاطب حبيبة بشأن ثغر لها خاف ان تجعله وقف ذرية فقال لها :
خلّيهِ لي وَحدي على طهره ، أنا اللظى ، والناس ماءٌ وطين
وفي قصيدة ( عذراء ) يقول :
إنَّ في صوتكِ الحنون جراحاً
ألفُ آهٍ تموجُ فيهِ وآه
أنا أهوى على شفاهِكِ شيئاً
غَلَّ في فتحة الشفاه وتاه
أنظرت الى ألفاظه ؟ فلفظة غَلَّ ، وفتحة ، وعجيني ، وخميري ، قروية لبنانية مئة بالمئة ، وما أكثر الفصيح في هجنتنا ، فليته لم يستعمل إلا الفصيح الخالص .
ليس شعر فؤاد سليمان ألفاظاً منمقة مرصوفة ، ولكنه كلام يحيا بما في قلب قائله من حرارة محبة . ليس هو من اصحاب الرموز وان قال في قصيدة ( العرس الاسود ) :
يا حلمي الاشقر يا رقّة
طافت بقلبٍ اخرس مُعتِم
واذا تصفحنا درب القمر رأينا ان نثره فيه كديوانه شاعرية . فاذا واجهت ( مرايا لم تعد تضيء ) اقشعر بدنك لتلك التعابير التي تصف البيت في غياب ربه . لقد أظلم كل شيء في عيني الابن البر ، ثم ما لبث ذلك الظلام ان انقشع حين عاد الوالد الى عشه ، وملأت الحيرات البيت .
اما مقال ( طفولتي ) فاقول : ولا احسب اني اغالي : انه اروع مقال قرأته في هذا الموضوع . فهذا التجريد الذي وفق اليه جعل الطفولة كائناً حياً كأنه من لحم ودم .
قلت ان فؤاد سليمان ابن برّ بوالديه وهل يعبر كما عبر الا من كانت له محبته ؟ اسمع ما يقول في وصف وجه امه : امي ... من ألوان عود الصليب وجه أمي .
وكأن الذي حاكه مرة حاكه وقطع يده لئلا يحوك مثله )
وفي ( مطارف من ارجوان ) منتهى حرية الفكر ، وقد استحال فيها فؤاد الاديب عالماً نفسانياً حين حلل نفسية الشاعر وحاجاتها ...
اما مقال ( درب القمر ) فنشيد أناشيد ( شو لميّتُه ) القرية اللبنانية ، وفي ( مرايا لم تعد تضيء ) نفحة طاغورية . اقرأ تصويره فيها للبيت والام المهجورين . هناك تجد صورة البيت اللبناني العتيق تامة الخطوط فكأنك ترى بعينك ما يحدثك عنه هذا الاديب الشاعر .