الرجعية القديمة التي بحثت شؤونه ودفعوا عنه كل محاولة قام بها المتحررون من الأطباء والفلاسفة والعلماء لتوضيح معالمه ، وإنارة أرجائه المظلمة .
وبما أن الأيمان السائد بأن أسباب الأمراض العقلية إنما هي ميتافيزية دينية روحية ، فقد ظلت مداواتها في نطاق الخرافة والميتافيزيا . واعتقد الكثيرون بأن الوسيلة الوحيدة لشفاء المريض هي في طرد تلك الأرواح اللعينة من جسده . فكانوا وما زالوا ، يحاولون طردها على عدة أشكال ، فمنهم من يكبل المريض ويلف ساقيه بالحبال والسلاسل حتى القدم ، ثم ينهال على أخمص القدمين بالعصي وهم يعتقدون بأن الروح إذا ما شعرت بالألم من جراء هذا الضرب ، خرجت من المريض هرباً ... ومنهم من يكوي المريض في رأسه ظناً بأن حرارة الكي كافية لطرد تلك الأرواح ... ومنهم من كان يثقب الجمجمة لتهرب الروح من هذا الثقب .. ومنهم من يربط المريض بالقيود والأصفاد ويوثقه إلى حائط أو حجر ضخم ثابت الأركان معتقداً بأن الروح السيئة لا تطيق الحبس ولا الأسر ولا تلبث أن تلم نفسها وتهجر ضحيتها إلى غير رجعة .. وكان المريض يطرح في زاوية مظلمة وسخة وتقدم إليه أردأ الأطعمة ، والماء المالح ، والخبز اليابس الأسود حتى إذا لم تعد الروح الساكنة فيه تتحمل هذه المعاملة السيئة ، تركته وابتعدت عنه .. وقد غالى الناس في ابتكار الأساليب ، واستحداث الوسائل ، حتى أن بعضهم عمد إلى حرق المريض كله ليطرد من جوفه تلك الروح النجس ، وكانوا ينظرون إلى موت المريض كحادث ثانوي بالنسبة للفائدة العظيمة التي يكسبها .
أغالي إذا قلت إن معظم الذين نراهم ونعاينهم من المرضى يحاولون الحجب والنشرات والتمائم ، وقد زاروا القسيس أو الشيخ قبل أن يجدوا سبيلهم إلينا ،
فقرأ عليه هذا وباركه ذلك ، فلا نفعه هذا ولا ذاك أفاده ... وليس ذلك فحسب ، بل إذا نحن راجعنا المفردات التي نستعملها في أحاديثنا العامة وجدنا أننا لا نزال نستعمل المفردات ذاتها التي استعملها القدماء . فنحن نقول اليوم عن البيت القديم المهجور مثلاً ، أنه بيت مسكون . ونعني بذلك أن الجن والأرواح تسكنه . ونتحدث عن المصاب بالعلل العقلية حديثاً مشابهاً ، فنقول إن فلاناً مسكون أو بالأحرى ملبوس أو ممسوس أو ملموس ، والذي نريده من هذا هو أن روحاً من الأرواح الشريرة قد لبسته أو مسته أو لمسته ... وعندما يكتبون له أو يخطون له أو يقرأون عليه أو يزورون به الأديرة والقديسين فهم يفعلون ذلك بناء على عرف قديم هو أنه « إذا حضرت الملائكة ذهبت الشياطين » وقد أصبح هذا المعتقد من الأمثال المشهورة ...
ولعلنا نلاحظ أن أكبر أثر للآراء القديمة في الوقت الحاضر هو أننا لا نزال نصف المصابين بالعوارض العقلية الغريبة والسالكين سبل التصرفات الشاذة بقولنا أنهم « مجانين » - والمجنون ليس شخصاً مريضاً ، بل شخص لبسته الجنة وتمكنت منه ... هذا أمر مهم وخطير ، لأن نظرتنا إلى المصابين بالأمراض العقلية في هذه الأيام ليست وليدة المعرفة التي وصلنا إليها ولا تنبثق عن إدراكنا حقيقة هذه
الأمراض أو عن شعورنا بأن المصابين بها ما فتئوا من الناس ، وأنهم يشعرون ويحسون ويفكرون كغيرهم من البشر ، بل هي نظرة تختلف كل الاختلاف عن نظرتنا إلى أي مريض آخر ، وذلك لأننا لم نعتقد من قبل أنهم من المرضى ، بل اعتبرناهم من ذوي النفوس السيئة والأخلاق المنكرة والأيمان المتقلقل الضعيف ، وإلا فكيف استطاعت الأرواح الشريرة أن تدخل فيهم وتؤثر عليهم وتجعل منهم أداة غاشمة لأهوائها وغاياتها ؟...
من أجل ذلك صار المصابون بالأمراض العقلية مكروهين تخافهم الناس ويعنون في تعذيبهم ومعاقبتهم على ما اقترفت نفوسهم ، وينكرهم الأهل ويبتعد عنهم الأصدقاء والأقارب ... وهكذا أصبح المرض - المرض ليس إلا - إهانة مخجلة ، وعاراً لا يمحوه إلا الحرق أو الموت أو القصاص .. أو أساليب التكفير الأخرى .
ومن الإنصاف أن أشير هنا إلى أن هذه المعاملة السيئة كانت من صفات الحياة الاجتماعية في أوروبا أكثر منها في أية بقعة أخرى - إلى درجة تحملنا على أن نعتقد أنها كانت في بعض العهود خاصة بها فحسب .
ذلك هو السبب الذي جعل طلب النفس يتأخر في تطوره كل ذلك التأخير . ولكن العلماء والأطباء استطاعوا أن

