يسيطروا على الرأي العام ويجمعوا زمام هذه الامور في ايديهم متخذين بذلك كل السلطات الاجتماعية - دينية وسياسية على السواء - في سبيل نشأة علم جديد، موطد الاركان ثابت الاسس، يخضع كل الخضوع للاساليب العلمية وقوانينها، وطرق البحث القوية. وقد دفعوا عن ذلك كل غال وعزيز، وبسخاء... فعانوا الاضطهاد، والتعذيب، والتشريد والنفي، والفقر، والحرمان... وكان ذلك لسبب واحد، هو انهم ارادوا ان يستبدلوا تلك الآراء الخيالية الخاطئة بآراء واقعية علمية، ولأنهم آمنوا بانه «ليس للامراض العقلية اية علاقة بالارواح الشريرة او بالشياطين» وبدلاً من ان يدرسوا كيف يطردون هذه الارواح المزعومة انقطعوا الى درس الوسائل الناجعة لمعالجة تلك الامراض وشفائها.
ان طب النفس - وهو الذي يدرس ويدوي جميع الحالات الشاذة التي تصيب نفس الانسان وعقله وسلوكه الفردي والاجتماعي - فرع من فروع الطب الحديثة. ولا تتعدى الحقيقة اذا قلنا انه في شكله الحاضر، وحالته العلمية الراهنة فرع حديث جداً رأى اعظم خطوات تطوره واجرأها في هذا القرن، بل في السنوات التي تلت الحرب العالمية الاولى، وهو اليوم من فروع المعرفة التي قضت الى حد بعيد على الخرافات والآراء الخيالية الطائشة لا في الطب فقط، بل في كثير من الميادين الاخرى، في علم الاجتماع، وعلم النفس والتاريخ والفلسفة وغيرها. ونحن لا نغالي اذا قلنا ان طب النفس - وعلوم النفس بوجه عام - من الاسلحة الثقافية التي نستخدمها في كل حقول الحياة - سياسية كانت او اجتماعية او صناعية او تربوية... فهو يتم بالانسان من حيث هو كائن بشري حي، فيدرس افكار الناس ويقرر بين المعقول منها
وغير المعقول، ويحلل عواطفهم ومشاعرهم ليقرر بين الشاذ منها وغير الشاذ، ويخصص جل نشاطه لدراسة سلوكهم وتصرفاتهم فيفصل بين المقبول منها وغير المقبول..
مهمة طب النفس هي رفاهية الانسان من جميع نواحيها، وتحريره من قيود الخرافات والمحاباة والاستبداد الفكري والعقائدي. ومهمة لها مثل هذه الرسالة، مهمة خطيرة ما في ذلك شك، والاستعداد التام للقيام بها من الامور الضرورية التي
تستلزم دراسة خاصة ومطالعة عامة واسعة، ومجهوداً شاملاً مستقراً... والهدف من وراء هذا كله هو ان نجعل من الفرد الذي ضاعت حقوقه العقلية والعاطفية بين الاوهام والخرافات انساناً حراً من القيود النفسية ومخاوفها واستبدادها... بغض النظر عما اذا كان مجنوناً، كما يقولون، او غير مجنون، مريضاً او غير مريض.. وبعد، فهؤلاء جميعهم من البشر...

