« اقتادني معلمي امس من شعري الى الحوش ، وانهال علي ضرباً بالسير لانني هززت طفله عفواً فغفا . وحدث يوم الاحد الفائت ان طلبت مني معلمي ان انظف لها سمكة ، فبدأت بتنظيفها من ذنبها ، فحنقت علي ، وانتزعتها من يدي ، وزجت رأسها في فمي ..
« ان غذائي في هذا البيت ، يتألف من خبز في الصباح ، وبرغل عند الظهر ، وخبز في المساء ، ولا اعرف للشاي والحساء طعماً ، اما نومي ففي الممر حيث اكون عرضة للبرد القارص .
« واخبرك يا جدي ان اجراء معلمي يهزؤون بي ، ويرسلونني الى الحارة لكي أحضر لهم الفودكا ، ويسألونني ان اسرق لهم الخيار من بيت معلمي ، وهذا يضربني بكل شيء يقع في يده ، لأقل هفوة تبدر مني .
« أي جدي العزيز ... ارحمني بالله عليك ، وخذني من هذا البيت إليك ، فليس عندي اية حيلة للخلاص ، خذني من هذا المكان ، انا اقبل قدميك وادعو لك دائماً ، وان لم تفعل ، فإنني لا محالة هالك » .
لوى فانكا فمه . ومسح عينيه بقبضته القذرة ، وغصّ بالبكاء ، ثم واصل الكتابة :
« وسأفرك لك يا جدي الدخان ، واسأل رضاك ، وان خالفت لك كلمة فاضربني ، وان تبين لك انني لن اجد عملاً لديك ، فائذن لي بالعمل في مسح احذية متعهد القرية ، او ان ارعى الماعز بدلاً من فيدكا .
« أجل يا جدي العزيز ! ليس لي من منقذ سواك . لقد حاولت الفرار مرة الى قريتك ، لكنني عدلت عن ذلك ، لانني لا املك حذاءً أقي من الصقيع .. خذني يا جدي وكن على ثقة بأنني اذا ما بلغت الرشد فسأقابل جميلك بالمثل ، وسأعمل على اعاشتك ، ولا ادع احداً يسيء اليك ، وان توفاك الله ، فانني سأصلي لروحك كما أصلي لروح امي .
« ان موسكو لمدينة كبيرة ، وبيوتها فخمة وخيولها كثيرة ، لكنني لا اجد فيها خرافاً وكلابها غير مؤذية ، واطفالها لا يطوفون بالاحياء في ليالي الاعياد ، ولا يسمح لهم بالاشتراك في التراتيل الكنسية .
« ورأيت مرة في واجهة حانوت ، صنانير بعصيها ، يستطيع المرء ان يصطاد بها أية سمكة كانت ولو بلغ وزنها الرطل . وشاهدت في بعض المخازن اسلحة مختلفة الاشكال بديعة الصنع ، جميلة المنظر ، والله يعلم كم تساوي من مئات الروبلات .. وشاهدت في بعض حوانيت اللحامين عدداً كبيراً من الدرّاج ، والأرانب ، ودجاج الاحراج ، والعجيب ان الناس لا يستفهمون ابداً عن اصطاد هذه الطيور ! .
« جدي العزيز . ارجوك ان تتذكرني وقت ان ينصب السادة شجرة عيد الميلاد ، واقتطف لي منها جوزة مذهبة ، واحفظها في صندوق اخضر . والسيدة أولغا إيغناتيشنا لا تعارضك اذا علمت ان الجوزة لي » .
وجّه الطفل نظره مره اخرى صوب النافذة وعاودته الذكريات ، وقت ان كان يذهب مع جده لجلب شجرة عيد الميلاد ، فيا لها من ايام طيبة ! كانا يذهبان معاً

