هي صديقة لي ، قد أجلسوها بالامس على مرتفع الورود ، وأحاطوها بشعلة الاضواء الملون وملأوا يديها لؤلؤاً ، وكالوا على عنقها الجواهر والذهب والماس ثم دعوها : «عروساً» .
كم اطرتها امها والصاحبات ، كم عانقها الاب ، وكم قبلها الاخ العزيز .. لكنها ظلت سادرة كبل ثغرها صمت عميق ، واحتبست ذبالة الدموع في وداعة حدقيها ، وغمرت الجبين الجميل مسحة اليأس والكبت والظلم .
أتدرين ما بها ؟ إنها لم تقبل الزوج الذي اختاره ابوها ، ورضيت به أمها !
فقد ماجت امها : متى غدت لابنتها ارادة في الزوج الذي اختير لها ؟ كيف تنطق فيما ستؤول اليه من مصير ؟ أباستطاعتها أن تجاهر بارادتها أم هل لها الحق بقول : «لا» والاهل قد حتموا وعزموا وصموا ؟! وكم ثارت ثائرة الاب : ما الذي يدعو ابنته لترفض ؟ أهو شعورها بنفورها منه ؟
يا لقرب أجله ، يا لدمار بيته ، يا لزواله من اعين الناس ويا لطول مكثه في افواههم تلوكه ألسنتهم ويعجنه لعابهم عجناً ! ألابنته اذن شعور ؟ وبمها من أين أتت به ؟ يا ويله كيف غفل عنه ؟ وهو اليقظ على مسلكها ، والساهر على تربيتها ؟ !!
اما هي ، فقد ثارت بوجههم فكاد يُلطم وجهها ، وهددت بقتل نفسها ، فرجوا لها الموت قبل ان تغدو مثار اقاويل لهم ، واسترحمت ، فما وجدت
من يرحمها ، واستضعفت وبكت فلجّوا بها قسراً وطغياناً !
فما لها بعد كل ذا ؟ ايها الاطراق الواجم والنظرة الحزينة تستقبل ليلة عرسها ؟ أغير الاذعان المربع لاكوام المال أطارت لب ذويها ، واستمسكت أنفاسهم ، فأعمتهم عن كل عداها !!
يا لهفي لها ! وليتني كنت ادري بالذي تلاعب بخاطرها حين جلست بين الورود وقد تجمع الدمع استحياءً في مآقيها !
أعلمها كانت تفكر ان تثور للمرة الاخيرة تجرب فيها قدرها ونصيبها ؟ أم صممت ان تلج في صمتها حيناً ، لتعدو بعد حين متجهة الى حيث لا تدري .. قاصدة ما لا تعرف .. مهلة لما تجهل !!
أم تراها عرفت انها ستذعن لسبيلها الجديد وقد اجرعها الشربة الاولى مشوبة بالعلقم والحنظل ! أستلبث تنتظر ؟ ماذا
عساها تنتظر ؟ الموت !! ؟
رحماك رحماك إلهي ! انها من اعمار الزهور ، انها بجمال الاساطير ، يُسبح من يرى وجهها قدرة يدك الصناعه ، فحرام ان تعرف وجودها تشوق انتظار ولهفة للفناء ، وحرام ان تأتي احلامها فتلقاها ركاما ، وتسرع للخيالات التي كم داعبتها فتجدها خداعاً وحطاما !!
انها تنفر ممن سترافقه الحياة ! فان لم يكن ممن تركه بد ، فبحقك يا الهي ان تملأ قلبها له حباً ، وان تبدل نفورها منه ولهاً فيه ، وان تحوك في اعماقها انعطافاً له وانجذاباً ! فالزهور التي حولها ستذبل غداً ، وسيفنى كل ما بها من لهاث ، والاضواء المشعشعة حولها سيخمد نور ضياها ويضعف ما بها من انعكاس !
اما هي ! فان لم تبدل الاحساسات المضطربة في صدرها ، وان لم تنف الهلعات الواجمة في قلبها ! فوا ألمي ان يمسها ما يمس الزنابق والزهور !
كلية بيروت للبنات

