طفل خبيث كان يقف الى جانبه ، كال له فجأة ضربة على رأسه ، ورمى قبعته ومد امامه قدمه ودفعه فوقع على الارض وسمع من حوله صراخاً وأحس بالخوف فراح يركض مسرعاً . واجتاز ، دون ان يدري ، ساحة دار كبيرة ودخل باب اسطبل وربض وراء كومة من الحطب : « هنا على الاقل لن يستطيع اكتشافي احد ، فالظلمة مطبقة » .
وجلس القرفصاء وتكوم على نفسه ولم يستطع ان يأخذ نفساً . الى هذا الحد كان خائفاً .
وشعر بارتياح فجأة . وكفت آلام يديه وقدميه وأحس بحرارة كأنه قرب مدفأة . وخيل اليه لحظة انه يسمع صوت أمه تغني له اغنية صغيرة وهي حانية عليه .
— ماما اني نائم ، لشد ما يحلو المنام هنا يا ماما .
وقتم فوقه بغتة صوت حنون : « تعال يا صغيري الحبيب وانظر الى شجرتي » وقال لنفسه : « انه صوت أمي » ولكن لا .. لم تكن امه . ترى من ناداه اذن هكذا . انه لم ير احداً . مع ذلك فأن شخصاً حنا عليه في الظلام وضمه الى صدره . ومد « هو » اليه ذراعيه . وغمر
الكون فجأة ضياء عظيم ! يا الهي ! أي ضياء !
ورأى شجرة . أوه ! انها شجرة العيد البهية . ولكنها ليست من الصنوبر . انه لم ير شجرة مثلها من قبل . ترى . أين هو الآن ؟ كل شيء يتألق ويزهو وفي كل مكان حوله دمى صغار . ولكن لا . ليست بدمى . انها طفلات واطفال صغار يلعبون جميعاً . يرقصون ( الدبكة ) ويطيرون . ثم يعانقونه ويمسكون بيده . ويطير اليهم . وهاك ما يرى . يرى أمه تنظر اليه بفرح وتبتسم .
ماما ، ماما . آه ! ما احلى الحياة هنا يا ماما .
ويعانقه الصغار من جديد . ويغفو ان يفضي اليهم بحديث الدميات التي رآها في الواجهة .
وسألهم ملاطفاً : « من انتم ايها الصغار ومن تكن أيتها الصغيرات اللطيفات ؟ » قالوا له : « هذه شجرة العيد يقيمها السيد المسيح ليلة الميلاد للصغار الذين لم يكن لهم على الارض شجرة عيد » .
وهكذا عرف ان كل هؤلاء الاطفال كانوا مثله . منهم من مات من البرد في سلال تركت على سلالم القصور في بطرسبورج . وبعضهم قضى بين ايدي المرضعات . ومنهم من فارق الحياة على اثداء امهاتهم وقد نضب حليبها يوم مجاعة مدينة سامراء ، وقد اجتمعوا هنا الآن كالملائكة في ضيافة السيد المسيح ، وهو بينهم ، يرفع يده ليباركهم ويبارك امهاتهم .
والامهات هنا ايضا ، يقفن في زاوية ويذرفن الدموع . وتتعرف كل منهن الى طفلها الذي يطير للقائها . والاطفال يعانقون امهاتهم ويمسحون دموعهن ويرجونهن ان يكففن عن البكاء طالما هم سعداء ...
وفي الصباح ، وجد البوابون ، هناك جسم طفل صغير دخل بهو الدار مسرعاً وتجلد وراء كومة من الحطب . كما وجدوا امه ايضا . وكانت قد فارقت الحياة قبل طفلها بقليل .
والتقى الاثنان في ملكوت الاله الرحيم .


