الى الغابة وسط الثلوج ، فيشعل جده غليونه ، ويستنشق الدخان طويلاً ، ويضحك من حفيده الذي يرتعش من البرد بينما الشجيرات الفتية المكتسية بالصقيع تقف جامدة لا تدري من منها سيكون نصيبه الموت .. واذ يمر بها ارنب منطلق كالسهم ، يصرخ جده بأعلى صوته : امسك ، امسك .. آه يا ذنب الشيطان !
وبعد ان يقطع جده الشجره ، يجرها الى بيت سادته ، وهناك يقبل الكل على تنظيفها وترتيبها ، وتكون اكثرهم اهتماماً بها السيدة أولغا إيغناتيشنا ، حبيبة فانكا .
كانت أم فانكا تخدم في هذا البيت ، وكانت السيدة أولغا تقدم لطفل مخدومتها اللبن ، وتعلمه القراءة والكتابة والعدّ حتى المائة ، والرقص ايضاً ، وحين وافى أمه الأجل أحالت السيدة أولغا الطفل اليتيم الى العمل مع جده في المطبخ ، ومن ثم نقل الى موسكو ليعمل عند صانع الاحذية « المعلم إلياخين » .
وتابع فانكا كتابة رسالته الى جده وقال :
« احضر الى موسكو يا جدي العزيز ، أتوسل اليك من اجل المسيح ان تنقلني من هذا المكان ، اشفق على هذا اليتيم التعس . ان كل من في هذا البيت يضربني ، وانا اشتهي الطعام ، وأكاد اهلك من الضجر ، ولا انفك عن النحيب ، وذرف الدموع . وحدث مؤخراً ، ان ضربني معلمي على رأسي بقالب الحذاء ، فوقعت على الارض ولم استطع النهوض ، الا بكل مشقة آه .. لقد ضيعت حياتي ! انها لأسوأ من حياة الكلاب ! ..
« سلامي الى كل من هيلين ، وإيغور الاكتع ، والسائق ساشا ، وارجوك ألا تعطي احداً « مزيكتي » .. احضر يا جدي وابق لحفيدك المطيع إيفان جوكوف » .
وطوى فانكا الرسالة ، ووضعها في مغلف كان ابتاعه بكوبيك واحد .. وبعد ان اعمل فكره قليلاً ، غمس الريشة في الدواة ، وكتب على الغلاف :
« الى قرية جدي ! »
ثم حكّ رأسه بطرف الريشة ، واضاف الى العنوان :
« كونستانتين ماكاريتش »
كان سرور فانكا عظيما لان احداً لم يزعجه في اثناء كتابة رسالته هذه ، فهبّ من مكانه ، واختطف قبعته ، ووضعها على رأسه ، وهرع الى الشارع ، في قميصه ، ساهياً عن لبس معطفه .
كان رواد حانوت اللحام الذين قابلهم فانكا بالامس قد أحاطوه علماً ان الرسائل تلقى عادة في صناديق البريد ، ثم تجمع منها وتوزع الى جميع انحاء العالم ، على زحافات تجرها خيول مطهمة ، ترن في اعناقها الاجراس ( ويقودها سواقون سكارى ) وهكذا اقبل فانكا على اول صندوق للبريد ، وادخل رسالته الثمينة في شقه ..
وعاد الصبي الى البيت ، واستلقى على فراشه تهدهده الاماني العذبة ، وبعد ساعة من الزمن اغمض جفنيه ، واستسلم الى سلطان الكرى ، فشاهد في نومه جده يجلس على سطح الموقد وقد تدلت قدماه ، وامسك بيده رسالة فانكا يقرأها على طاهيات البيت وخادماته .. بينما الكلب « ثيون » يسير الى جانب الموقد ، وهو يهزّ ذنبه ...



