واقرأ ( حبة رمل ) وقابل بين ما قاله اديبنا في النبي محمد الرسول الاعظم وبين ما كتبه غوت شاعر المانيا العظيم ، لترى ان الموت يقطع الاوتار ولا يرحم . انما ( حبة رمل ) ولكنها جبل من شعر .
وفي مقال ( في موكب النائمين ) نسمع شاعراً بوهيمياً يقول :
« انا هنا في سكرة معربدة محمومة طائشة ، حيوان يمشي مع حيوانات . بهيمة تعيش مع بهائم ، ملعون مع ملاعين الدنيا . اجر جناحي المنتّف ورائي على الدروب وفي الشوارع .
انا هنا لم اطلق بعد ...
متى اتمكن يا صديقي من ان اتفلّت من قيود المرأة ، والتراب ، واوهام اللحم والدم ، ومقاييس الزمن ، فاصبح انساناً كاملاً » .
لقد اخطأت يا فؤاد ، فلو صار كما تمنيت لكنت لا شيء .. فلولا اللحم والدم وما على هذه المائدة من مغريات ومقبلات ما كان لنا فؤاد سليمان الذي نكرم ذكراه الليلة .
وبكلمة عابرة اقول : ان درب القمر انشودة لبنانية اصيلة ، كتب الله لها الخلود . وشاعرها يجلّي حين يصوب قلمه نحو الينابيع والكروم وكل ما يمت الى القرية بصلة .
اما ما كتبه هذا الاديب بتوقيع «تموز» فقد تصفحته من اوله الى آخره حتى وصلت الى اوراق بيضاء لم يمهل الموت تموز ليسودها ويبيض وجه الادب . لا ادري لماذا عرتني رعشة عندما وقعت عيني على تلك الوريقات البيضاء . احسست ان دمعة رقصت بين اهدابي مع ان دمعي في الحوادث غالٍ .
أجل لم يبق لنا من فؤاد سليمان غير هذه الجزازات من تلك الصحيفة وهاتيك
المجلة ، ولكنها جزازات تتضمن روحاً كانت تتردد في لحم فؤاد ودمه ، فأبقت للذرية هذا التراث الحي .
ففي ( التموزيات ) يثور فؤاد على كل اعوجاج وقع تحت عينه . يثور للانسانية المعذبة كما في الكلمة التي عنوانها ( انسان مُدَوّد ) . وهو في كل ما كتب في الواقع ما تخلى عن بيانه ولا تجرد من خياله ... يخاطب الناس من عل مهما علوا ، ويقذفهم بكلام كأنه القنابل ، ويزدريهم ولا يبالي وقد يتفق له تهكم مرّ يأتيه عفواً ، فيبدو جميلاً كقوله :
« صرنا نخشى على البيت اللبناني أن ينهار ، فالمرأة مشغولة بقضيتها ، اعطوها حقها وخلصونا ، جربوها ، فقد تصلح ما افسدناه نحن » .
وما أبلغ كلمة بل ما أصدق قائلها
حين تحدث عن سرقة الشاعر ميشال طراد صاحب جلنار . قال : « ما كنا نعلم أن الشاعر الجليل ميشال طراد عنده شيء ثمين يستحق السرقة ، غير هذا الشعر الجليل الذي لم يبق شاعر في لبنان الا وسرق منه لفظاً وطيباً ولوناً » .
انما كلمة لها ما بعدها ايها المستمع الكريم ، ذكرتها لك قصداً وموعدنا في التفصيل قريب .
وأخيراً هذه صورة الشاعر والاديب الذي كانت النار تندلع من عينيه ، والكهرباء توقد اعصابه . هذه صورة ذاك الذي كنا ندعوه فؤاد سليمان يوم كان بيننا ، اما اليوم فلا اجد له لقباً لأن الاسماء والالقاب مبتذلة كلها ، فعلى بنات الشعر اللبنانيات ان يجددن عيد النواح على « تموز ! » .
مارون عبود

