يصادف بين الحين والحين ، ان يمرّ بلبنان انسان كبير ، تكتب الصحف اسمه باحرف بارزة ، وتتناقل الالسن احاديثه جهراً واعجاباً ... وبعضاً يكون هذا الانسان الكبير امرأة ، وآنئذ ينالها من هذه الاحاديث اضعاف ما ينال الرجال ، كما حدث الشهر الفائت لدى زيارة مندوبة الهند الى الامم المتحدة وشقيقة آل نهرو السيدة فيجايا لكشمي بانديت .
كان نتيجة زيارة السيدة بانديت انها تركت في نفوس اللبنانيين ، وخاصة اللبنانيات ، انطباعات شتى لا تخلو من التناقضات . فمنهم من قال : انها ابرع خطيبة سمع ، ومنهم من غيّب اقوالها عن ظاهر قلب ، وفريق آخر امتعض من بعض عباراتها ، واخذها على غير مأخذ ... وسبحان مَنْ بوسعه ان يُرضي الجميع !
رآها الناس بعين ورأيتها انا بعين ، سمعوها باذن وسمعتها باذن ... رأوها امرأة ضئيلة الجسم ، مائلة الى الزهد في امور الدنيا ، ورأيتها امرأة تسامت على ضعف الانسان وانجرافه خلف المادة وتوصّلت الى الجوهر الصرف .
سمعها الناس تنادي بتعميم مبادئ العدالة الانسانية والسلام في العالم ، وسمعتها ... درساً رائعاً في « البساطة ! » . يا لروعة شخصها تتخذ منه بالذات مثلاً اعلى لهذا الدرس ، دون ان تشير بكلمة واحدة الى ما تريد !
نذكر جيداً ولاشك مظهرها الخارجي ، وتذكر هي ولاشك ايضاً كيف بدونها ما دُمّى وطواويس . في خاطري منها صورة راسخة لعينين سوداوين ترعبان في نسائنا بدهشة بالغة ، الفراء والجواهر والحرائر !
سمعها الناس تتحدث عن خبرتها الواسعة وتوجههم لما فيه خير اوطانهم ، وسمعتها انا ... فاذا موضع الثقل فيها هذا العمق المطمئن يشيع في عينيها لقد وصلت بعد جهاد طويل الى شاطئ السلام ، الى الحقيقة المطلقة ، الى اغوار المعرفة ، فتبيّن لها ان كل شيء عالمي لا يلبث ان يزول وان قيمة الانسان في الخدمات التي يرفعها لاخيه الانسان ولوطنه . وكل شيء ما عداها باطل ...
وانه لبناني العجب ، بعد ان رأيناها وسمعناها ، كيف نتابع خوضنا في ماء الشاطئ ، متشبثات بالقشور دون اللباب ، معلقات اكبر اهتمامنا على ماذا نلبس وماذا نأكل ؟
غريب ، كيف تبقى نفوسنا مثقلة تئن تحت نير المادة الجوفاء ، تستبد بنا ايما استبداد وتجندنا ... عبيداً صاغرين لاطماعها ولاهوائها الطائشة !
وحقاً ما ادري - ما دمنا في مطلع هذا العهد الجديد ، عهد الحرية والمساواة - لماذا لا نتّعظ نحن نساء هذا البلد ، ونتخذ من السيدة بانديت مثالاً حياً يُحتذى ، في العظمة المتواضعة البنّاءة ؟
لماذا لا نترفّع عن الشغف والتعلّق بالظواهر الخلابة ، ونجعل « البساطة » المطلقة وحدها ، فراءً لاجسادنا ، واقراطاً لآذاننا ، وعقوداً لاعناقنا ... وسيفاً ماضياً ننقض به على « مادية » هذا العصر التي تسوقنا الى الدمار ؟ !





