يختلف موقف الرجال من حق المرأة السياسي. ففيهم الساخر وفيهم المتهوس وفيهم المتشائم والمتفائل. لكن السياسيين والمتسيسين - كعادتهم - يُعدّون العدة لاستثمار حق المرأة لمصلحتهم ويرون فيها قوة جديدة يستطيعون تكييفها لخدمتهم. لان موقف الرجل من المرأة - وان اختلفت الظروف - لا يزال هو هو كما أعلنه اللورد تشسترفيلد في القرن السابع عشر حين كتب في بعض رسائله: «بما ان النساء بعددهن الوفير ونفوذهن الاجتماعي قوة لا يستهان بها في المجتمع فجدير بالرجل الذي يسعى وراء المال والشهرة ان يجتذب رضاهن وينال نعمة في عيونهن وانجع وسيلة لذلك هي الملق والملاطفة وامتداح جمالهن ورجاحة عقلهن لان جميع النساء من غير استثناء سريعات التأثر بالمديح ولو كان كاذبا».
قال شوقي بهذا المعنى:
خدعوها بقولهم حسناء
والغواني يغرّهن الثناء ...
في مثل هذه الاقوال عبرة للنساء وعظة وتحذير. على أن من الرجال من سلاحهم غير الملق. فقد يستعملون التهديد لا سيما اذا كانت المرأة عبئاً عليهم، اي اماً او اختاً او زوجة تعتمد على الرجل لاعاشتها. لكن المرأة القوية الارادة الصحيحة الخلق لا تنقاد لأحد مهما كانت صلته بها. لقد عرفت مثل هؤلاء النساء في القرى وفي المدن. فتيات ذوات شخصية صلبة يرفضن الخضوع لاهلهن في مسائل الزواج اذا خالفت ميولهن او مصالحهن. نساء يناهضن ضلال ازواجهن وينجحن في ردهم الى الصواب.
ان تصويت المرأة لا قيمة له اذا لم تتخذه المرأة وسيلة لاصلاح ما فسد، لتحصيل الحقوق التي فاتها تحصيلها حتى الآن، لانتخاب الاكفاء المشهود لهم بالاستقامة والغيرة على المصلحة العامة، ولنبذ الادعاء والمتطفلين والمتزعمين
والساعين وراء الثروة من اقرب السبل.
شروط الانتخاب الصحيح
اول شروط الانتخاب، ليعطي نتائجه المطلوبة، ان يكون حراً. وحريته تعني براءته من العيوب التالية:
١ - علنية التصويت. والصواب ان يجري بطريقة سرية فيضع الناخب ورقته في صندوق الاقتراع من غير ان يعلن مضمونها لان ذلك أضمن لحريته اذ يجعله في مأمن من ضغط اصحاب المصالح والدعايات وتأثير اهل الرشوة وشراة الضمائر.
٢ - الرشوة او مشترى الاصوات بالمال والمواعيد المعسولة وهي بلا ريب اسوأ عيوب النظام النيابي وأشدها فساداً للاخلاق ومن واجب الحكومة ان تتخذ التدابير اللازمة لمنع الرشوة وفرض العقوبات الصارمة على الراشي والمرتشي.
٣ - التحيّز العاطفي اي تحكيم عواطفنا الشخصية من حب او كره في تأييد مرشح ومعارضة غيره. ان بعض الناس ينقادون انقياداً عاطفياً لمظهر المرشح وتجذبهم اناقته او طلاقة لسانه فيؤيدونه من غير تفكير في جدارته الفكرية والخلقية. ومنهم من ينقادون لتأثير الاصحاب والجيران فيكون تصويتهم نوعاً من المجاملة والمسايرة التي عُرف بها الشرقيون مع ان موضوع الانتخاب هو من الخطورة بحيث يفرض تحكيم العقل والضمير لا العاطفة والتقليد.
٤ - الخوف من رجال المال والوجاهة الاجتماعية واعتبارهم أجدر من سواهم بتمثيل البلاد. من التقاليد الضارة التي يجب مكافحتها تعظيم رجال المال ورجال الحكومة والظهور امامهم بمظهر الجبن والخوف وانتخابهم للمناصب الهامة، مع ان النظام الديمقراطي يفرض علينا ان ندين مبدأ المساواة والاخوة الاجتماعية وان لا نتخذ للانتخاب اساساً آخر غير الكفاءة الذاتية التي لا علاقة لها بالنسب ولا بالمركز الاجتماعي. قد يتفق للمرشح
ان يجمع بين الكفاءة والاخلاص والغنى والوجاهة لكن انتخابه لا يجوز ان يبنى الا على الصفتين الاوليين:
٥ - الطائفية. هي العلة التي يشكو منها كل غيور على مصلحة بلاده لان توزيع الوظائف والمقاعد النيابية بالنسبة لمركز الطائفة العددي ليس الا تسجيلاً للتفرقة القائمة بين افراد الشعب وهدماً لفكرة الوطن من اساسها. ولا عبرة لقول القائلين «يجب ازالة الطائفية من النفوس قبل ازالتها من النصوص» لأن القانون افضل وسيلة لتوجيه الناس الى الطريق السوي، ولو كانت هذه الحجة صحيحة لقلنا بالمعنى نفسه: «يجب ازالة الجشع والحاجة من نفوس الناس قبل منع السرقة» والعكس هو الصواب لأن مجرّد وجود القانون يدعو الناس الى التفكير فيه والاقتناع بصحته ومن ثم الى العمل بموجبه.
٦ - العصبية العائلية: كما تتحكم فينا الطائفية لا تزال تتحكم فينا الروح العشائرية التي تدفعنا الى مجاراة الاهل والاخوان ولو في الباطل. اذا كان المرشح للنيابة او غيرها قريباً لنا او نسيباً رأينا من واجبنا او من مصلحتنا التكتل حوله مع علمنا بعدم صلاحه للمركز الذي يطمح اليه. هذه الروح العشائرية لا تزول الا بزوال التربية الاتكالية التي درجت عليها الاسر الشرقية، وانتشار روح الاعتماد على النفس، والتحرر من ضغط الاسرة والتقاليد.
ولنقل ختاماً:
على المرأة مسؤولية اصلاح وتجديد في عهدها الانتخابي الجديد: ان تكافح عيوب الانتخابات السابقة، ان تكون رسول نظام وسلام داخل البلاد وخارجها، ان تعتبر نفسها قائدة لامقودة. ولتذكر ان دعامة الانتخاب الصحيح عقل واع وضمير حي وخلق قويم وجميع ذلك في متناول المرأة اذا نالت مقداراً من التثقيف والتوجيه الصحيح في البيت والمدرسة والمجتمع.
